زايو سيتي
لم يكن خالد بودو يتجه منذ طفولته نحو الأدب، ولم ينشأ في بيت كانت الكتب تتصدر رفوفه، الطريق الذي قاده لاحقاً إلى عالم الرواية بدأ من مكان أكثر تواضعاً: دار للشباب في مدينة تيل الهولندية، ومن سؤال طرحه صديق غاضب من الصورة التي كانت الصحافة تقدم بها المغاربة.
هناك، كان بودو شاباً يعزف الطبول ضمن فرقة صغيرة، بينما كان صديقه يعزف الغيتار. وبينما كان الاثنان يتابعان ما يكتب عن المغاربة في الصحف، اقترح عليهما أحد مؤطري دار الشباب فكرة بسيطة، لكنها ستترك أثراً عميقاً في حياة بودو: إذا كانت هناك قصة ناقصة أو مشوهة، فلماذا لا يكتبان قصتهما بأنفسهما؟
ولد خالد بودو سنة 1974 في تمسمان بالريف، وانتقل مع أسرته إلى هولندا وهو في الرابعة من عمره، قبل أن تصبح مدينة تيل فضاء طفولته ومراهقته وتكوينه الأول.
في المنزل، لم تكن القراءة جزءاً أساسياً من الحياة اليومية. وروى بودو في إحدى شهاداته أن الأسرة كانت تتوفر على خزانة للكتب، لكن الخزف الصيني كان يحتل فيها مساحة أكبر من الكتب. أما علاقته الفعلية بالقراءة، فبدأت في المدرسة الابتدائية، بعدما قادته إحدى الزيارات إلى المكتبة إلى اكتشاف عالم الكتب والاستعارة والقراءة.
لكن علاقته بالكتاب لم تكن خطاً مستقيماً. فبعد فترة من التعلق بالقراءة، تراجع حضوره في حياته خلال سنوات لاحقة، قبل أن تعيده دار الشباب إلى الكتابة من باب لم يكن يتوقعه.
في تلك المرحلة، لم يكن بودو يرى نفسه كاتباً، كان شاباً يدرس في مسار مهني، ويقضي وقته مع أصدقاء الحي ويعزف الموسيقى. غير أن غضب صديقه من الطريقة التي تتناول بها بعض الصحف صورة المغاربة في هولندا فتح أمامه سؤالاً جديداً: ماذا لو لم نكتفِ بالاعتراض على القصص التي يكتبها الآخرون عنا، وقررنا أن نكتب قصصنا بأنفسنا؟
شجعهم أحد مؤطري دار الشباب على إصدار جريدة صغيرة، بل تكفل بطباعتها. كانت تجربة بسيطة ومحدودة، لكنها وضعت بودو للمرة الأولى أمام الصفحة البيضاء باعتباره شخصاً يملك شيئاً يقوله، وليس مجرد قارئ لما يكتبه الآخرون.
ومن تلك التجربة بدأت ملامح الكاتب تتشكل.
لاحقاً، شارك بودو في مسابقة «El Hizjra» الأدبية، قبل أن يفوز سنة 1998 عن قصته «Stemmendans». وكان ذلك التحول الأول من تجربة الكتابة داخل فضاء شبابي إلى اعتراف أدبي حقيقي لفت إليه أنظار الوسط الأدبي والناشرين.
ثم جاءت الرواية التي ستفتح أمامه الأبواب على مصراعيها.
في سنة 2001، أصدر خالد بودو روايته الأولى «Het Schnitzelparadijs»، التي تدور حول شاب مغربي يعمل داخل مطبخ مطعم هولندي، في أجواء تجمع بين الكوميديا والتوتر والتنوع الثقافي. وسرعان ما لاقت الرواية نجاحاً لافتاً، وحصلت سنة 2002 على جائزة «Gouden Ezelsoor» باعتبارها الرواية الأولى الأكثر مبيعاً.
ولم يتوقف انتشار الرواية عند صفحات الكتاب.
فقد تحولت «Het Schnitzelparadijs» إلى فيلم سينمائي، وأصبحت من الأعمال الهولندية التي لاقت إقبالاً واسعاً عند عرضها سنة 2005، كما ترجمت الرواية إلى عدد من اللغات، لتتجاوز قصتها حدود جمهورها الهولندي الأول.
لكن نجاح الرواية الأولى لم يحصر بودو في صورة الكاتب الذي يروي دائماً حكاية المغاربة في هولندا. على العكس، اتجه إلى مجالات أدبية وإعلامية متعددة، فكتب الرواية والمقالات والمسرح والسخرية السياسية، واشتغل في الصحافة والإذاعة، قبل أن يولي أدب الشباب اهتماماً خاصاً.
وفي سنة 2007، نشر رواية «Pizzamaffia»، التي وجدت بدورها طريقها إلى القراء الشباب، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى الشاشة السينمائية.
وبينما كان الطفل الذي نشأ في بيت لم تكن القراءة فيه عادة مركزية يتحول تدريجياً إلى روائي، كانت مفارقة أخرى تتشكل في مساره: الكتب التي اكتشفها صغيراً في مكتبة المدرسة، صار يكتبها هو نفسه لأجيال جديدة من التلاميذ.
تحول بودو إلى كاتب يحضر في المدارس والفصول الدراسية، ويشارك في ورشات القراءة والكتابة، ليصبح جزءاً من عالم كان بعيداً عنه في طفولته.
وفي سنة 2025، عاد المغرب إلى واجهة أعماله الأدبية من خلال رواية «De roadtrip». تدور أحداثها حول شاب ينطلق مع جده في سيارة قديمة باتجاه المغرب، في رحلة تحمل أكثر من معنى، وتضع علاقة الشخص بالمكان الذي ينحدر منه وبالماضي الذي تركه وراءه في قلب الحكاية.
ولا تقدم الرواية باعتبارها سيرة ذاتية لخالد بودو، ولا ينبغي التعامل معها على هذا الأساس. لكنها تستعيد، بطريقة أدبية، سؤالاً ظل حاضراً في مساره منذ البدايات: كيف تتغير علاقة الإنسان بالبلد الذي ولد فيه، عندما يصنع حياته في بلد آخر؟
بعد أكثر من خمسة عقود على ولادته في تمسمان، تبدو رحلة خالد بودو أشبه بقصة عن صناعة المسار أكثر من كونها قصة عن مسار كان مرسوماً منذ البداية.
فلم تبدأ الحكاية من جامعة أدبية، ولا من منزل تحيط الكتب بأصحابه، ولا من مشروع واضح بأن يصبح صاحبها روائياً.
بدأت من دار للشباب، ومن فرقة موسيقية صغيرة، ومن صديق لم يكن راضياً عما يقرأه عن المغاربة، ومن مؤطر قال لشابين لم يكونا يعتبران نفسيهما كاتبين إن بإمكانهما أن يكتبا القصة بأنفسهما.
ومن تلك الفكرة الصغيرة، بدأ خالد بودو يكتب قصته هو أيضاً.








