زايو سيتي
عاد الجدل حول توحيد خطبة الجمعة إلى الواجهة، بعد انتقادات وجهها الفقيه المغربي والمتخصص في مقاصد الفقه والشريعة، الدكتور رشيد بنكيران، إلى اعتماد نص موحد بصورة إلزامية، معتبراً أن هذا التوجه يطرح تساؤلات بشأن مدى مراعاته لاختلاف أحوال المصلين واحتياجاتهم من منطقة إلى أخرى.
ويرى بنكيران أن الإشكال يتجاوز مجرد تحديد موضوع الخطبة أو تنظيم مضمونها، ليشمل طبيعة الدور الذي يؤديه الخطيب في توجيه المصلين وربط التعاليم الدينية بالقضايا التي يعيشونها في محيطهم الاجتماعي.
وفي هذا السياق، استند الفقيه المغربي إلى قاعدة فقهية مفادها أن «تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة»، معتبراً أن فرض خطبة موحدة على الخطباء بشكل دائم، دون منحهم هامشاً لمراعاة خصوصيات المصلين، يثير تساؤلات بشأن مدى انسجام هذا الاختيار مع مقاصد الخطاب الديني.
وأوضح بنكيران أن خطبة الجمعة لا تقتصر وظيفتها على تقديم الموعظة أو عرض الأحكام الشرعية، بل تشمل أيضاً توعية الناس بأمور دينهم، وتوضيح ما يرتبط بحياتهم اليومية، واختيار الأساليب التي تساعد على إيصال الرسالة الدينية وتحقيق أثرها في نفوس المخاطبين.
واعتبر أن اختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين المدن والأحياء يفرض، بحسب رأيه، مراعاة خصوصية كل بيئة عند إعداد الخطاب المنبري، متسائلاً عن مبررات إلزام الخطيب بنص واحد حتى في الحالات التي تستدعي فيها أوضاع المصلين معالجة قضايا أكثر ارتباطاً بواقعهم المباشر.
ولم يحصر بنكيران انتقاداته في الجانب الفقهي والمقاصدي، بل وسع النقاش ليشمل خلفيات اعتماد الخطبة الموحدة في عدد من الدول، متسائلاً عما إذا كان الأمر يتعلق باختيارات إدارية مستقلة، أم بتوجه أوسع يرمي إلى توحيد تدبير الخطاب الديني والتحكم في مضامينه عبر الحدود.
كما دعا إلى التعامل مع هذه التحولات من زاوية أوسع من مجرد الإجراءات التنظيمية، من خلال البحث في أسباب اعتمادها والجهات التي تقف وراء صياغة هذا النموذج، فضلاً عن المصالح التي يراد تحقيقها من تعميمه.
وفي السياق ذاته، أثار الفقيه المغربي مسألة ترتيب الأولويات في تدبير الحقل الديني، متسائلاً عن أسباب التركيز على توحيد نصوص الخطب بدلاً من إعطاء أهمية أكبر لتأهيل الخطباء علمياً ودعوياً، وتمكينهم من أداء مهامهم وفق ما تقتضيه حاجات المصلين.
وشدد بنكيران على أن الاحتجاج بالمصلحة الشرعية لا يكفي، في نظره، لتبرير أي قرار، ما لم يكن مستنداً إلى الحجة ومبنياً على تقدير ملائم للواقع، معتبراً أن تكرار التجربة في أكثر من بلد لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على سلامة الاختيار.
ويتقاطع هذا النقاش مع تساؤلات أوسع بشأن تدبير الشأن الديني بالمغرب، خاصة في ظل استمرار أحمد التوفيق على رأس وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية منذ سنوات طويلة، وهو ما يعيد إلى الواجهة النقاش حول استمرارية المسؤوليات ومدى الحاجة إلى مراجعة بعض السياسات المعتمدة في هذا المجال.
وبين الاعتبارات التنظيمية التي تستند إليها سياسة توحيد الخطب، والانتقادات الفقهية والمقاصدية التي يثيرها بنكيران، يظل النقاش مرتبطاً بحدود التوازن بين توحيد الخطاب الديني ومنح الخطباء مساحة لمراعاة واقع المصلين. وهو نقاش يتجاوز شكل الخطبة ومضمونها إلى طبيعة الوظيفة التي يؤديها المنبر في التوعية والإرشاد والتفاعل مع قضايا المجتمع.








