بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه خطبة ليوم 18 جمادى الأولى 1448 ه الموافق لـ 30 أكتوبر2026م “محاسبة النفس سبيل الاستقامة وطريق الحياة الطيبة”
الخطبة الأولى:
الحمد لله، الحمد لله الذي أمرنا بتقواه، وجعل محاسبة النفس من دلائل خشيته وابتغاء رضاه، ووفق من شاء من عباده للاستقامة على أمره، والاستعداد ليوم لقائه، نحمده سبحانه على ما أولى من النعم، ونشكره على ما هدى إليه من صالح القول والعمل، ونستغفره من التقصير والزلل، ونسأله صلاح الظاهر والباطن، وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول والآخر، وهو بكل شيء عليم، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، الصادق الوعد الأمين، صلى الله وسلم عليه صلاة وسلاما، نجد بركتهما يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا، وعلى آله الطيبين، وصحابته الغر الميامين، وعلى التابعين لهم في محاسبة النفس وتهذيبها إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فيا أيها المؤمنون والمؤمنات، يقول البارئ جل وعلا في محكم التنزيل: يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ اُ۪تَّقُواْ اُ۬للَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُواْ اُ۬للَّهَۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعْمَلُونَ.
عباد الله؛ تعتبر هذه الآية الكريمة أساسا في محاسبة النفس ومراقبة أحوالها، إذ يأمر الله جل جلاله عباده المؤمنين بتقوى الله والنظر فيما قدم كل واحد منا لآخرته، وتلك العملية هي محاسبة النفس على الخواطر والنيات، ومحاسبتها على الأقوال والأفعال وسائر التصرفات.
وفي هذا المعنى يقول النبي ﷺ: «الكيس من دان نفسه- أي حاسب نفسه- وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله».
ومن هنا أدرك السلف الصالح من هذه الأمة أن محاسبة النفس هو سبيل إلى الاستقامة؛ وأنه لا يستقيم حال من اتبع هواه، ولا من غفل عن تزكية نفسه وتربيتها ومراقبة الله تعالى في الحركات والسكنات، فألفوا في ذلك كتبا، واعتنوا بمحاسبة النفس أيما عناية، وأكدوا على أن خلاصة محاسبة النفس هو تحقيق ملكة التقوى في القلب، ورعاية حقوق الله وحقوق العباد. وقد بسط الحارث المحاسبي رحمه الله، القول في ذلك في كتابه الموسوم بـ”الرعاية لحقوق الله”.
ولذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتزينوا للعرض الأكبر وإنما يخِفُّ الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا”
ويشبه العلماء حال الإنسان مع نفسه بحال الشريك مع شريكه، في المشاحَّة وشدة المحاسبة ودقة المراجعة، عقب كل عمل، حتى يحفظا رأس مالهما، ويحصلا أرباحهما، ويتجنبا الخسارة ما أمكن، فإذا كان الناس يحرصون هذا الحرص على متاع الدنيا، فالحرص على عمل الآخرة أشد، ولذا قال ميمون بن مهران: “لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريك لشريكه، والشريكان يتحاسبان بعد العمل”.
وقد نظم الشيخ ابن عاشر رحمه الله هذا المعنى في أبيات من منظومته فقال:
يحاسب النفس على الأنفاس ويزن الخاطر بالقسطاس
ويحفظ المفروض رأس المال والنفل ربحه به يوالي
يجاهد النفس لرب العالمين ويتحلى بمقامات اليقين
خوف رجا شكر وصبر توبة زهد توكل رضى محبة
عباد الله؛ للعلماء في محاسبة النفس كلام طويل الذيل، عظيم الفائدة، وخلاصته؛
أن يحاسب المسلم نفسه قبل العمل بتصحيح نيته وإخلاص قصده لله تعالى، وتطهير عمله من شوائب الشرك المختلفة، ويحاسبها أثناء العمل بالإتقان، واتباع السنة وقصد النفع للنفس والغير، ويحاسبها بعد العمل بالتفويض والتوكل على الله، وعدم الاعتماد على العمل، والتبرئة من الحول والقوة، إذ كل ما كان منه، كان بفضل الله وتوفيقه وإعانته.
وبذلك يكون المؤمن قد أدى حق الله تعالى في الطاعة، مستجمعا ستة أمور: الإخلاص لله تعالى، والنصيحة له في العبودية، ومتابعة الرسول ﷺ، وشهود مقام الإحسان بالمراقبة، ورؤية النعمة والمنة، ثم رؤية التقصير في أداء حقه سبحانه، مهما بذل العبد من جهد وعمل.
ألا فاتقوا الله عباد الله، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمدا كما أمر، والصلاة والسلام على خير البشر، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المحشر.
معاشر المؤمنين والمؤمنات؛ يقول النبي ﷺ: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن، أو تملأ، ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها».
عباد الله؛ في هذا الحديث النبوي الشريف ذكر النبي ﷺ جملة من الأعمال المهذبة للنفس من طهارة، وذكر، وصلاة، وزكاة، وصدقة، وصبر، وتلاوة للقرآن.
وختمها ﷺ، بقوله: “كل الناس يغدو” أي: كل واحد من الناس يصبح كل يوم ساعيا في شأنه، مجتهدا في تحصيل ما يريد، ثم قال: “فبائع نفسه” فمن الناس من يبيع نفسه لله تعالى، إن قام بحقه، وأدى ما عليه من الواجبات، في حق الله تعالى وفي حق عباده، أو بائع نفسه للشيطان، إن ركب هواه، وغفل عن نفسه وعن عيوبها واشتغل بعيوب الناس، وبما لا يعنيه، فتكون النتيجة مختلفة بين الاثنين: “فمعتقها” أي: فمعتق نفسِه من المعيشة الضنك في الدنيا، ومن عذاب النار في الآخرة، “أو موبقها” أي: مهلكها في الدنيا باتباع الشهوات المهلكة، في مخالفة الشريعة، وفي الآخرة بسوء المصير والعياذ بالله.
وهكذا معاشر المؤمنين والمؤمنات يبين لنا الرسول ﷺ، أن فلاح العبد أو خسارته مرتبط بمحاسبة النفس، أو تركها في غلوائها.
وفي محاسبة النفس من الفوائد العظام: الاعتراف لله تعالى بالعبودية، والرغبة فيما أعده لأوليائه الذين يؤثرون ما عند الله على ما عند الناس، وفيها صلاح القلوب، وطمأنة النفوس، وفيها الزهد فيما ليس للمؤمن، والرضى بما قسم الله له، وفيها صلاح الأمة بالكف عن المحارم، وأداءُ الحقوق، والقيامُ بالواجبات، وصيانةُ المجتمع من التباغض والتدابر والتحاسد، واتصافُه بالإيثار والتعاون وتبادل المنافع والمصالح، وتلك هي الحياة الطيبة التي ينشدها الناس في كل الدنيا. وإن اختلفت عناوينهم وتعددت شعاراتهم، وإنما تتحقق لأهل الإيمان الصادق والعمل الصالح، كما وعدهم بذلك الكبير المتعال، جل جلاله.
فيا عباد الله؛ جددوا محاسبة أنفسكم، وأصلحوا سرائركم وعلانيتكم، ولا تجعلوا همكم تتبع عيوب غيركم؛ فمن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن راقب نفسه في السر والعلن، كان أرجى لتحقيق الاستقامة ونيل الحياة الطيبة.
هذا؛ ولنجعل مسك الختام، أفضل الصلاة وأزكى السلام، على ملاذ الورى في الموقف العظيم سيدنا محمد ﷺ.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت وباركت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.
وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم واقتفى أثرهم بإحسان، وعنا معهم بمحض فضلك وكرمك يا أكرم الأكرمين يا رب العالمين.
وانصر اللهم بنصرك المبين، وتأييدك المتين، من استرعيته أمر عبادك، وبسطت يده في أرضك وبلادك مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمدا السادس، اللهم بارك له في الصحة والعافية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزره بشقيقه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة.
وتغمد اللهم برحمتك الواسعة الملكين الجليلين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجعلهما في أعلى عليين، مع المنعم عليهم من النبيئين والصديقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع، ونعوذ بك من هؤلاء الأربع.
اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا، وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.








