زايو سيتي
قبل أكثر من مئة عام، لم تكن سلوان المدينة التي يعرفها سكان الناظور اليوم، بل كانت أرضاً تضم موقعاً عسكرياً إسبانياً ومطاراً لعب دوراً في واحدة من أكثر مراحل حرب الريف اضطراباً. وفي صيف 1921، وجد هذا المطار نفسه محاصراً، قبل أن يسقط في الثالث من غشت، في واحدة من اللحظات الحاسمة التي أعقبت انهيار الجيش الإسباني في معركة أنوال.
القصة لم تبدأ في سلوان، وإنما على امتداد مواقع عسكرية إسبانية انهارت تباعاً خلال يوليوز 1921 أمام قوات المقاومة الريفية. ومع اتساع الانهيار، تحولت عملية التراجع إلى أزمة عسكرية كبيرة، امتدت في اتجاه الناظور وسلوان والعروي، وأصبح الوجود الإسباني في المنطقة يواجه ضغطاً متزايداً.
ومع نهاية يوليوز، بقيت ثلاثة مواقع رئيسية تقاوم في المنطقة: الناظور وسلوان وجبل العروي.
لكن سلوان نفسها لم تكن موقعاً عسكرياً واحداً.
فقد كانت هناك القصبة من جهة، والمطار العسكري من جهة أخرى، ولكل موقع ظروفه الدفاعية وحساباته الخاصة في ظل الحصار الذي أخذ يشتد يوماً بعد آخر.
داخل المطار، لم يكن الخطر مقتصراً على الهجمات المباشرة، فقد أحاطت به أعداد كبيرة من المقاتلين الريفيين، بينما أتاحت المرتفعات القريبة إمكانية استهداف الموقع بالنيران، الأمر الذي جعل حركة الجنود في محيطه محفوفة بالمخاطر.
وسرعان ما تحول الماء إلى واحدة من أكبر مشكلات الموقع المحاصر.
فالبئر الذي كان يوفر الماء يوجد خارج نطاق المطار، والوصول إليه كان يعني المرور في منطقة مكشوفة أمام نيران الخصوم، وبين الحاجة اليومية إلى الماء وضيق مساحة التحرك، وجد الجنود الإسبان أنفسهم أمام وضع يزداد صعوبة.
وفي محاولة لكسر الحصار، جرت محاولات لإيصال الماء والذخيرة بين المطار والقصبة، بينما كانت الطائرات القادمة من جهة مليلية تحاول إلقاء أكياس التموين والذخيرة على المواقع المحاصرة من الجو.
لكن مع مرور الأيام، بدأت الخيارات تضيق.
في الثاني من غشت 1921، كانت الطائرات الإسبانية لا تزال تحاول تموين سلوان من الجو، في وقت كان فيه الحصار يزداد إحكاماً حول الموقع.
ثم جاء اليوم التالي حاملاً نقطة تحول جديدة.
3 غشت 1921.
في هذا اليوم سقط مطار سلوان.
لم يكن سقوطه مجرد خسارة لموقع عسكري، بل مثّل فقدان الجيش الإسباني منشأة جوية كان يعتمد عليها في المنطقة، لتنضم الطائرات والمنشآت الموجودة في الموقع إلى خسائر الانهيار العسكري الذي أعقب معركة أنوال.
ولم يمض سوى يوم واحد حتى جاءت الضربة التالية.
في 4 غشت، سقطت قصبة سلوان أيضاً.
وهكذا، خلال يومين فقط، انتقلت سلوان من موقع محاصر إلى واحدة من أبرز محطات الانهيار العسكري الإسباني في المنطقة.
اليوم، قد تبدو فكرة وجود مطار عسكري إسباني في سلوان بعيدة عن الصورة التي يعرفها سكان الناظور والمنطقة عن المدينة. غير أن الوثائق والصور والخرائط الإسبانية تحتفظ بآثار ذلك الماضي، وتعيد رسم ملامح مكان كان قبل أكثر من قرن جزءاً من جبهة عسكرية مشتعلة.
هنا كانت الطائرات تقلع وتهبط.
وهنا كانت توجد منشآت وحظائر وفرق طيران.
وهنا أيضاً، خلال أيام قليلة من صيف 1921، وصلت تداعيات الانهيار الذي بدأ في مواقع أخرى إلى المجال الذي نعيش فيه اليوم.
لذلك، فإن قصة مطار سلوان لا تتوقف عند تاريخ سقوط منشأة عسكرية إسبانية.
إنها تكشف كيف كانت جغرافية الناظور الحالية مختلفة تماماً قبل أكثر من مئة عام، وكيف تحولت المدن والقرى التي نعرفها اليوم إلى مساحات كانت في ذلك الوقت مسرحاً لمواجهة عسكرية كبرى.
وفي 3 غشت 1921، كان أحد فصول ذلك التحول يُكتب في سلوان، حين سقط مطارها العسكري بعد أيام من الحصار، لتواصل المنطقة بعدها واحدة من أكثر مراحل حرب الريف اضطراباً.








