سعيد قدوري
تشهد المناطق المحاذية لمدينة مليلية المحتلة، خلال الأيام الأخيرة، محاولات متكررة لاقتحام السياج الحدودي الفاصل بين بني أنصار والثغر المحتل، في مشاهد وثقتها صور ومقاطع فيديو انتشرت على نطاق واسع، وأثارت نقاشا واسعا حول الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي آلت إليه الجهة الشرقية، وما إذا كانت قد استفادت فعلا من قرار إغلاق التهريب المعيشي، أم أنها كانت الخاسر الأكبر من هذه السياسة.
وبالعودة إلى ما قبل جائحة كورونا، أي قبل نحو ست سنوات، كان سكان إقليم الناظور يعبرون إلى مليلية بشكل اعتيادي، ويقتنون سلعا مختلفة يعيدون تسويقها داخل المغرب، في نشاط اقتصادي كان يوفر مصدر رزق لآلاف الأسر، ويخلق حركة تجارية نشطة داخل مدن الإقليم، دون أن تعرف المنطقة حينها مظاهر الهجرة الجماعية التي تشهدها اليوم.
ولتقريب الصورة، يكفي استحضار مثال بسيط يتعلق بإطارات السيارات. ففي تلك الفترة، كان أحد أبناء الإقليم يقتني إطار سيارة من أحد المحلات داخل مليلية، وهي محلات يعود عدد كبير منها إلى مغاربة، بثمن لا يتجاوز 50 درهما. كما أن أصحاب هذه المحلات كانوا يعتمدون في جزء مهم من احتياجاتهم اليومية على التبضع من الأسواق المغربية، ما يعني أن عجلة الإنفاق كانت تدور، في جانب كبير منها، داخل الاقتصاد الوطني.
بعد ذلك، كان الإطار ينقل إلى المغرب ويباع إلى محل متخصص بإحدى مدن إقليم الناظور، ليصل في النهاية إلى المستهلك بثمن لا يتجاوز 100 درهم، مع الاستفادة من منتج يستجيب، في الغالب، للمعايير الأوروبية من حيث الجودة.
وبهذه العملية، كانت الاستفادة تشمل أكثر من طرف مغربي؛ من الشخص الذي جلب السلعة، إلى التاجر المحلي، وصولا إلى المواطن الذي يحصل على منتج جيد بثمن مناسب، وهو ما كان ينعكس على الحركة التجارية بالمنطقة.
أما اليوم، وبعد إغلاق التهريب المعيشي، فقد تغير المشهد بشكل كبير. فالمواطن أصبح مضطرا، بحسب متابعين، إلى شراء إطار سيارة قد يتجاوز ثمنه 700 درهم، مع أداء تكلفة إضافية للتركيب، رغم أن جودة بعض هذه المنتجات لا تضاهي ما كان متوفرا في السابق.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن المستفيد الأكبر من هذا التحول هم كبار المستوردين الذين يملكون القدرة المالية وشبكات الاستيراد، بينما وجد صغار التجار أنفسهم خارج المنافسة، في ظل ما يعتبرونه صعوبات إدارية ولوجستية تعترض الراغبين في دخول مجال الاستيراد بشكل قانوني، الأمر الذي أدى إلى تركيز السوق في أيدي عدد محدود من الفاعلين.
ويعتبر هؤلاء أن تجارة إطارات السيارات ليست سوى مثال واحد على عشرات الأنشطة التجارية التي كانت تنشط اقتصاد المنطقة قبل إغلاق الحدود، مؤكدين أن القرار لم ترافقه بدائل اقتصادية كافية لتعويض آلاف الأسر التي فقدت مصدر دخلها.
ويستند هذا الرأي أيضا إلى ما تعيشه المنطقة اليوم من ارتفاع في معدلات البطالة وتراجع في الحركة التجارية، مقابل تصاعد محاولات الهجرة غير النظامية نحو مليلية المحتلة، وهو ما يراه كثيرون مؤشرا على عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها الجهة الشرقية.
وبالنسبة لأنصار هذا الطرح، فإن حصيلة السنوات الماضية توحي بأن الجهة الشرقية دفعت ثمنا باهظا لسياسة إغلاق التهريب المعيشي، إذ انتقلت، بحسب وصفهم، من منطقة كانت تعرف نشاطا تجاريا ورواجا اقتصاديا، إلى منطقة تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، في انتظار إطلاق مشاريع تنموية كبرى قادرة على خلق فرص الشغل وتعويض ما فقدته المنطقة من دينامية اقتصادية.








