بقلم: صلاح الدين بوشلاغم
لم يكن ما شهده مجلس الأمن الدولي يوم الثلاثين من أكتوبر مجرد تعثر إجرائي في تجديد ولاية بعثة أممية، ولا مفاجأة دبلوماسية أربكت الحسابات كما توهم البعض في الساعات الأولى التي تلت التصويت؛ بل كان في جوهره منعرجاً تاريخياً حاسماً وفخاً استراتيجياً محكماً طوى به المغرب صفحة خمسة وثلاثين عاماً من “تدبير الأزمة”، ليفتح الباب على مصراعيه أمام مرحلة الحسم السيادي النهائي. فالقراءة المتأنية في بلاغ الديوان الملكي، مقترنة بالكواليس الدقيقة التي كشف عنها وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، تؤكد حقيقة واحدة: الفيتو الروسي لم يكن قط حجر عثرة أمام الرباط، بل كان الهدية الاستراتيجية التي استثمرتها الدولة المغربية لنسف قواعد لعبة متقادمة طالما استغلها الخصوم لإطالة أمد النزاع المفتعل.
لقد أزاح ناصر بوريطة الستار عن معطى بالغ الأهمية يُفسر سر الصرامة والسرعة اللتين طبعَتا الموقف الرسمي للمملكة؛ إذ كانت الرباط على علم مسبق، وقبل أيام من جلسة التصويت، بنية موسكو استخدام حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي. وهنا وُضعت الدبلوماسية المغربية أمام خيارين يعكسان العقيدة الملكية القائمة على الانتقال من “منطق التدبير إلى منطق التغيير”: إما القبول بتفريغ المسودة الأمريكية من مضامينها الحاسمة وتعديل فقراتها لإرضاء روسيا ضماناً لتمديد تقني روتيني جديد، وإما التمسك بالسقف السيادي الأعلى وترك موسكو تستعمل الفيتو والتعامل معه باعتباره “فرصة تاريخية لا خطراً”. فكان القرار السيادي الحاسم هو عدم التنازل عن أي فاصلة في المشروع الأمريكي الذي حظي بتأييد إحدى عشرة دولة داخل المجلس، والذي أسقط نهائياً مصطلح “الاستفتاء” من قاموس البعثة واعتمد مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً وحيداً للتفاوض.
بهذا القرار الاستراتيجي، سقط الخصوم في فخ قانوني مزدوج لم يحسبوا عواقبه؛ فحين رفعت روسيا يدها بالفيتو لإجهاض المسودة الأمريكية، لم تُعِد عقارب الساعة إلى الوراء كما تمنت الجزائر، بل أعدمت الغطاء القانوني لبعثة “المينورسو” من جذوره.
وعندما حاولت موسكو تدارك المأزق بطرح مشروع قرار بديل للتمديد الكلاسيكي، اصطدمت بعزلة دولية غير مسبوقة وبمنطوق المادة السابعة والعشرين من ميثاق الأمم المتحدة التي تشترط تسعة أصوات على الأقل لتمرير أي قرار، حيث لم تحصد المسودة الروسية سوى ثلاثة أصوات يتيمة هي روسيا والجزائر والصومال، مقابل امتناع إحدى عشرة دولة وفيتو أمريكي مضاد.
في مبادئ الأمم المتحدة لعمليات حفظ السلام الخاضعة للفصل السادس من الميثاق، يقوم وجود أي بعثة أممية على ركنين متلازمين لا يستقيم أحدهما دون الآخر: تفويض ساري المفعول صادر عن مجلس الأمن، وموافقة الدولة المضيفة صاحبة السيادة على الإقليم .
ومع حلول منتصف ليل الحادي والثلاثين من أكتوبر، سقط الركن الأول بانتهاء مفعول القرار الأممي السابق دون تجديد، ليتدخل بلاغ الديوان الملكي في التوقيت الدقيق ويسقط الركن الثاني بإعلانه السيادي انتهاء مهام المينورسو ومطالبته بمغادرتها الفورية للتراب الوطني وسحب الملف نهائياً من جدول أعمال مجلس الأمن. وبموجب القواعد المالية والإدارية للأمم المتحدة، بات محظوراً على الأمانة العامة في نيويورك صرف أي اعتمادات مالية للبعثة خارج إطار مسطرة “التصفية والانسحاب المنظم” ، وهو ما تُرجم فوراً على الميدان بتوقيف الدوريات والتزام نحو ثلاثمائة موظف أممي لمقراتهم استعداداً لإنزال العلم الأممي ومغادرة مدينة العيون.
إن الأثر الاستراتيجي الأعمق لهذا التحول يكمن في تفكيك ما سماه وزير الخارجية بـ “الصور الثلاث” التي كانت تمنح هذا النزاع طابعه الدولي في المخيال الإعلامي والسياسي العالمي: صورة المركبات والأعلام الأممية في شوارع العيون، وصورة الاجتماعات الدورية لمجلس الأمن في كل شهر أكتوبر، وصورة مخيمات تندوف.
ففي غضون أربع وعشرين ساعة فقط، مُحيت الصورتان الأولى والثانية بضربة واحدة وبأدوات القانون الدولي ذاته. ولم يبقَ على الطاولة قانونياً وسياسياً سوى آخر مرجعية اعتمدها مجلس الأمن، المتمثلة في القرار 2797، مسنوداً باعتراف أكثر من ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وضمنها ثلاث قوى عظمى دائمة العضوية هي الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة، بمغربية الصحراء وبمبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وأوحد.
وأمام هذا الزلزال القانوني، بدا بلاغ وزارة الخارجية الجزائرية أشبه بوثيقة إقرار بالهزيمة الدبلوماسية؛ فالدولة التي دأبت لخمسة عقود على الادعاء بأنها “ليست طرفاً في النزاع”، خرجت في بيان رسمي مرتبك تدافع باستماتة عن بقاء البعثة الأممية، وتبتدع تفسيراً قانونياً غريباً يزعم أن ولاية المينورسو “مستمرة تلقائياً ولا تسقط بعدم التجديد”. وهي مفارقة كشفت للعالم أن من كان يستغل البعثة الأممية كغطاء سياسي وميداني للاختباء خلفه وإدامة الجمود، هو نفسه من يذرف الدموع اليوم على رحيلها بعدما تسبب حليفه الروسي في إنهاء وجودها.
إن مرحلة “ما بعد المينورسو” قد انطلقت فعلياً بإيقاع سيادي مغربي خالص؛ فبينما تباشر واشنطن والأمانة العامة للأمم المتحدة ترتيبات الإخلاء اللوجستي للبعثة وسط تحركات متسارعة في الكونغرس الأمريكي لتصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، يستعد البرلمان المغربي بغرفتيه لعقد جلسة عمومية طارئة لتدشين المسار المؤسساتي والتشريعي الجديد في الأقاليم الجنوبية.
أما ميدانياً، فقد وضع بلاغ الديوان الملكي معادلة حاسمة لا تقبل التأويل: التمسك بوقف إطلاق النار مشروط بالاحترام التام لسلامة ووحدة أراضي المملكة وأمنها الوطني؛ ومع زوال “الوسيط الأممي” الذي كان يُستغل كحاجز، باتت القوات المسلحة الملكية وحدها الضامن المباشر لسيادة القانون على كل شبر من ترابها، وتبقى الأرض لأصحابها والسيادة لمن يصونها بالشرعية والتنمية والقرار المستقل.








