زايو سيتي
من مطعم صغير لبيع الكباب بجنوب فرنسا إلى الوقوف أمام كاميرا المخرج العالمي ستيفن سبيلبرغ، قطع الممثل الفرنسي من أصول مغربية كريم السعيدي مساراً غير مألوف، جمع بين التجربة العسكرية في مناطق النزاع، والعمل في التجارة، ثم دخول عالم السينما من باب لم يكن يتوقعه. إنها حكاية شاب ينحدر والده من مدينة الناظور ووالدته من طانطان، استطاع أن يحوّل منعطفاً عابراً في حياته إلى بداية مسار فني امتد بين فرنسا والمغرب وعدد من الإنتاجات الدولية.
وُلد كريم السعيدي في 17 يوليوز 1973 بمدينة “لا سين سور مير” جنوب فرنسا، ونشأ داخل أسرة مغربية الجذور. ولم تكن بداياته الدراسية ممهّدة لطريق النجاح، إذ واجه صعوبات في التعليم وغادر مقاعد الدراسة في سن مبكرة، قبل أن يخوض تجارب مهنية مختلفة بحثاً عن مستقبله.
وفي سن الثامنة عشرة، اختار الالتحاق بالجيش الفرنسي، حيث انضم إلى فوج مشاة البحرية الثاني بمدينة “لومان”. وقادته هذه التجربة إلى عدد من المناطق التي شهدت نزاعات مسلحة، من بينها تشاد والبوسنة ورواندا، خلال مرحلة اتسمت بأحداث دامية، خاصة الإبادة الجماعية التي عرفتها رواندا سنة 1994.
وبعد نحو ثلاث سنوات من الخدمة العسكرية، قرر السعيدي مغادرة المؤسسة العسكرية والعودة إلى الحياة المدنية، متجهاً نحو التجارة وقطاع المطاعم. واستقر به المطاف في منطقة “سان تروبيه”، حيث افتتح مطعماً متخصصاً في بيع الكباب، معتقداً أنه وجد أخيراً مساراً مهنياً مستقراً بعيداً عن التجارب السابقة.
غير أن منعطفاً غير متوقع سيعيد رسم مستقبله. ففي أواخر تسعينيات القرن الماضي، دخل الفكاهي والممثل الفرنسي إيف لوكوك إلى مطعمه، وبعد حديث جمعه بصاحبه، لفت انتباهه إلى امتلاكه مؤهلات قد تسمح له بالنجاح في مجال التمثيل.
كانت تلك الكلمات كافية لإثارة فضول السعيدي ودفعه إلى التفكير في خوض تجربة جديدة، رغم افتقاره إلى أي تكوين فني أو علاقات داخل الوسط السينمائي. وبعد فترة من التردد، اتخذ قراراً جريئاً ببيع مطعمه والانتقال إلى باريس، حيث التحق باستوديو بيغماليون المتخصص في تكوين الممثلين.
هناك، بدأ من المستوى الأول، قبل أن يحقق تقدماً لافتاً في فترة وجيزة. وتحولت تجربة التكوين بالنسبة إليه إلى فرصة لاكتشاف قدرات لم يكن يعتقد أنه يمتلكها، خصوصاً أنه لم يكن قد وجد نفسه داخل المسار الدراسي التقليدي خلال طفولته وشبابه.
وبعد مرحلة من التدريب والبحث عن فرص مهنية، جاء الموعد مع أول منعطف كبير في مسيرته، عندما أتيحت له فرصة المشاركة في اختبارات الأداء الخاصة بفيلم «ميونيخ» للمخرج الأمريكي الشهير ستيفن سبيلبرغ، وذلك عقب تعارفه على بول بلموندو، نجل الممثل الفرنسي جان بول بلموندو.
ونجح السعيدي في الحصول على دور ضمن الفيلم الذي تناول أحداث أولمبياد ميونيخ سنة 1972 وتداعياتها، ليجد نفسه سنة 2005 ضمن طاقم إنتاج سينمائي عالمي، في تجربة صُورت مشاهد منها بالعاصمة المجرية بودابست واستمرت نحو خمسة أسابيع.
لكن المشاركة في عمل يحمل توقيع مخرج بحجم سبيلبرغ لم تكن كافية لضمان انطلاقة مهنية مستقرة. فبعد انتهاء التصوير، وجد الممثل الشاب نفسه أمام فترة انتظار صعبة امتدت، بحسب روايته، لنحو سنة ونصف دون الحصول على أدوار جديدة، في تجربة كشفت له الوجه الآخر لعالم السينما، حيث لا يضمن الظهور في إنتاج عالمي استمرار العروض والفرص.
ورغم هذه المرحلة، واصل كريم السعيدي محاولاته، وشارك لاحقاً في مجموعة من الأفلام والمسلسلات والإنتاجات الفرنسية والمغربية والدولية، من بينها «كانديشا» و«ميراج» و«حياة أديل» و«Redemption Day».
ومن بين التجارب التي تحدث عنها، مشاركته في فيلم «حياة أديل» للمخرج عبد اللطيف كشيش، حيث أمضى نحو 17 يوماً في التصوير، قبل أن يكتشف أن حضوره في النسخة النهائية من العمل لم يتجاوز بضع ثوانٍ، في مثال على طبيعة المهنة وتقلباتها، وما تفرضه على الممثل من صبر واستمرار في البحث عن الأدوار.
وعلى المستوى الشخصي والمهني، ظلت صلته بالمغرب حاضرة في مساره، خصوصاً بعد عودته إلى المملكة سنة 2004 لحضور جنازة والده. ومع مرور السنوات، أصبح المغرب محطة مهمة في تجربته الفنية، من خلال مشاركته في أعمال أجنبية ومحلية جرى تصويرها داخل البلاد.
وفي حوار صحفي سنة 2019، تحدث السعيدي عن مشاركته في نحو أربعين إنتاجاً مغربياً وإيطالياً وألمانياً صُورت بالمغرب، وهو ما يعكس اتساع تجربته الفنية وتنوع الأعمال التي اشتغل فيها، بعيداً عن ارتباطه الأول بالسوق السينمائية الفرنسية.
ولم يقتصر اهتمامه بالفن على التمثيل، إذ كشف في الفترة نفسها عن كتابته ثلاثة سيناريوهات، وتفكيره في الانتقال إلى مجال الإخراج، مع اهتمام خاص بالمواضيع الإنسانية والعلاقات التي تجمع بين أوروبا وإفريقيا.
هكذا، لم يكن مسار كريم السعيدي طريقاً تقليدياً نحو النجومية، بل سلسلة من التحولات التي قادته من مقاعد الدراسة التي لم يجد فيها مكانه، إلى المؤسسة العسكرية ومناطق النزاع، ثم إلى عالم التجارة والمطاعم، قبل أن تفتح له مصادفة داخل مطعمه الصغير باب السينما.
وبين جذوره المغربية وتجربته الفرنسية وحضوره في إنتاجات دولية، تقدم حكايته نموذجاً لمسار فني غير مألوف، صنعته قرارات جريئة وفرص غير متوقعة، وظل عنوانه الأبرز القدرة على البدء من جديد كلما انتهى فصل من فصول الحياة.








