مصطفى الوردي
تستدعي تحركات القضايا السياسية الكبرى قراءات تتجاوز الأدبيات المعتادة وردود الأفعال السريعة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالملفات الحدودية والتاريخية الشائكة بين المغرب وإسبانيا. وفي هذا السياق، ينبغي ألا يُقرأ عدم صدور تعليق رسمي من المغرب تجاه زيارة العاهل الإسباني لمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين بنوع من القلق أو التفسير السطحي، بل على العكس من ذلك تماماً، فإن المثير للاهتمام حقاً والداعي للتأمل والترقب هو هذا الصمت الدبلوماسي المطبق الذي يحمل في طياته دلالات استراتيجية عميقة.
إن هذا الصمت المغربي الرسميّ لا يعبر عن تحوّل في الثوابت الوطنية أو تراجع عن حقوق تاريخية غير قابلة للتصرف، بل يمكن اعتباره لحظة تقييم وتدبير عالي المستوى من الدبلوماسية الهادئة. فهو بمثابة تعبير سياسي رصين يمنح المشهد مداه الزمني والدبلوماسي، ويقرأ التحركات في سياق التحولات الجيوسياسية الشاملة التي تشهدها المنطقة والتوازنات الجديدة بين الضفتين، حيث أصبحت القضايا السيادية تُدار بآليات الحكمة والنفس الطويل بعيداً عن المزايدات الإعلامية.
وفي قراءة أكثر عمقاً لهذه اللحظة الفارقة، يُنظر إلى هذا الهدوء الدبلوماسي بوصفه “لحظة احترام” مسكوت عنها، تفهم الزيارة في سياقها التاريخي الأخير، وكأنها ترتيبات رمزية أو “زيارة توديعية” تُجسد مرحلة انتقالية في ملف استمرار احتلال المدينتين. فالتحولات الديموغرافية، والاقتصادية، والجيوسياسية المحيطة بسبتة ومليلية تجعل من إعادة رسم طبيعة العلاقات في المنطقة مسألة وقت وطرح استراتيجي هادئ، مما يجعل الصمت المغربي بمثابة موقف واثق ينتظر نضوج الظروف التاريخية الكاملة لحل هذا الملف برؤية مستقبلية متكاملة.







