زايوسيتي
حين تُستنطق صور الأمس، فإنها لا تفتح لنا نافذة على الماضي فحسب، بل تعيد إحياء أرواحٍ صنعت مجد المكان وأرست تقاليد عريقة ظلت راسخة في وجدان الأجيال. ومن درر الأرشيف البصري لمدينة زايو، تبرز صورة نادرة تعود لسنة 1962، لتوثق لواحدة من أبهى محطات التراث الأصيل؛ حيث احتضن سفح جبل سيدي عثمان – وتحديداً في البقعة التي تتقاطع اليوم مع “مصلى زايو” – فعاليات عروض “التبوريدة” التقليدية.
تأخذنا هذه الوثيقة الفوتوغرافية إلى عمق المشهد الاحتفالي؛ إذ توثق لقطة حية لصفوف من الفرسان وهم يمتطون صهوات جياد أصيلة تذرو التراب وتتسابق في تناغم بديع. يظهر الفرسان بجلابيبهم البيضاء الناصعة وعمائمهم الوقورة، وهم يمسكون ببنادق “البارود” باحترافية وثبات، مستعدين لإطلاق الطلقة الموحدة التي تملأ الفضاء دويّاً وبهجة. لم تكن تلك العروض مجرد استعراض عابر، بل كانت عرساً سنوياً تتوافد عليه نخبة من فرسان الجهة الشرقية، لا سيما من تاوريرت وأحواز وجدة ومختلف القبائل المجاورة التي اشتهرت عبر التاريخ بحراسة هذا الفن الفروسي العريق.

هذه الصورة تعيدنا إلى زمن كانت فيه زايو قِبلة ومحطة بارزة لاحتضان “موسم سيدي عثمان” التاريخي؛ ذلك الموسم الروحي والثقافي والاجتماعي الذي كان يلتئم فيه شمل المنطقة. ولم يكن الاحتفال حينها منفصلاً عن خيرات الأرض؛ فقد كانت زايو وما زالت تُعرف بارتباطها الوثيق وطابعها الزراعي المميز، وعلى رأس ذلك “الرمان” الذي شكّل رمزاً من رموز وفرة هذه الأرض وطيب تمورها وثمارها، حيث كان الاحتفاء بالمنتوجات المحلية جزءاً لا يتجزأ من هوية مواسمها وأفراحها.
إن استحضار هذه المحطات من تاريخ زايو ليس مجرد ترف ذكرياتياً، بل هو نداء حي ودعوة صادقة للغيارى على هذه المدينة وكل الفاعلين فيها، من أجل التفكير الجاد في إحياء هذا الحدث التراثي الكبير، وبعث الروح من جديد في مواسم التبوريدة والاحتفاء بالهوية الفلاحية والثقافية للمنطقة وعلى رأسها الرمان.
إن إحياء مثل هذه المبادرات هو جسر وصل بين الأجيال، يربط الناشئة بجذورهم، ويُعيد الاعتبار لتاريخ زايو العريق، ليظل صهيل الخيول وعبق الأرض يرويان للأبد حكاية مكانٍ عشق الأصالة فاستحق الخلود.







