زايوسيتي
أعادت الانتخابات التشريعية التي جرت أطوارها في الثالث والعشرين من شتنبر 2026 طرح سؤال الشرعية التمثيلية والمشاركة السياسية في المغرب بحدة غير مسبوقة. فعلى الرغم من إعلان وزارة الداخلية عن تصدر المشهد الانتخابي وحصول الأحزاب على مقاعدها وفق الترتيب المعروف، إلا أن القراءة المتأنية في لغة الأرقام تفضح هوة مقلقة بين المؤسسات المنتخبة والشارع المغربي؛ إذ كشفت المعطيات الرسمية عن مشاركة نحو 6 ملايين ناخب فقط من أصل 15,8 مليون مسجل في اللوائح، بنسبة لم تتجاوز 38,02 بالمائة.
وتتجسد المفارقة الكبرى والأكثر إقلاقاً حين يتم توسيع زاوية النظر لتشمل مجموع المغاربة البالغين سن التصويت، والذين يقدر عددهم بنحو 26,7 مليون مواطن. فحسب هذه الأرقام، يوجد أكثر من 20 مليون مغربي خارج أسوار العملية الانتخابية تماماً، وهو رقم ضخم يضم الملايين ممن لم يسجلوا أصلاً في اللوائح الانتخابية، إلى جانب المسجلين الذين اختاروا مقاطعة صناديق الاقتراع.
وبالرجوع إلى مسار المحطات التشريعية خلال عهد الملك محمد السادس، تتأكد طبيعة هذا المسار المتذبذب؛ فقد بدأت المشاركة بنسبة 51,61 بالمائة سنة 2002، لتهوي إلى 37 بالمائة سنة 2007، ثم ترتفع نسبياً إلى 45,4 بالمائة سنة 2011، وتتراجع إلى نحو 43 بالمائة سنة 2016، قبل أن تسجل انتعاشة طفيفة تجاوزت عتبة النصف سنة 2021 بنسبة 50,35 بالمائة. وتأتي نسبة 38,02 بالمائة المسجلة في اقتراع 2026 لتشكل ثاني أدنى نسبة مشاركة خلال العهد الحالي، ما يعكس غياب منحى تصاعدي مستقر ويعبر عن حالة استنكاف مستمرة عن الفعل الانتخابي.
ولا تنعكس أزمة الثقة هذه في الأرقام الإجمالية وحدها، بل تتضح جلياً في بنية الهيئة الناخبة المسجلة نفسها؛ إذ يبرز بوضوح عوف الفئات الشبابية التي لا تتجاوز نسبة من تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة سوى 4 بالمائة من مجموع المسجلين، مقابل 29 بالمائة لفئة الشيوخ (60 سنة فأكثر)، فضلاً عن تراجع إجمالي المسجلين بنحو مليوني شخص مقارنة بانتخابات 2021.
وتتداخل في تفسير هذا الغياب الانتخابي عوامل سوسيولوجية واقتصادية وسياسية متقدة؛ أبرزها تراجع الثقة في قدرة المجالس المنتخبة والخطاب الحزبي على إحداث تغيير حقيقي في اليومي المعيش للمواطن. فقد خيمت قضايا الأسعار المرتفعة، وتدهور القدرة الشرائية، والأجور، وأزمات الصحة والتعليم والبطالة على تفكير الشارع، ليتحول العزوف إلى أداة احتجاج صامتة تعبر عن الهوة السحيقة بين الوعود الحزبية وانشغالات المواطن البسيط.
إن حقيقة إفراز البرلمان القادم بأصوات أقلية عددية مقارنة بالحجم الحقيقي للكتلة الناخبة للبلاد تفرض جرس إنذار حقيقي. فحين يختار أكثر من 20 مليون مواطن إدارة ظهورهم لصناديق الاقتراع، يصبح لزاماً على الفاعل السياسي والحزبي والمؤسساتي إعادة النظر في آليات استقطاب الثقة، وتخليق الحياة العامة، وتحويل الشأن السيادي من مجرد استحقاق شكلي إلى فضاء رحب يعيد للعمل السياسي نبضه وقدرته على التعبئة والتغيير.








