مصطفى الوردي
مع إعطاء انطلاقة محطة الانتخابات التشريعية غداً، يجد الناخب نفسه أمام محك حقيقي ومسؤولية جسيمة تحدد ملامح سنوات قادمة من مسارنا التنموي. وهنا يتأتى النداء الأبرز: ليكن صوتك صوتاً للعقل لا صدى للعاطفة، فبصوتك تصنع الغد ولا تختبر الندم، إذ إن المال زائل ولن يبقى منك سوى كرامتك وسمعتك، فلا تضعف ولا تنحني لعاصفة الطمع، لأن الورقة التي تضعها في صندوق الاقتراع ليست مجرد شعور عابر، بل هي أمانة ثقيلة وموقف مسؤول.
إن التاريخ السياسي والتجارب الديمقراطية المقارنة تثبت مراراً أن المجتمعات التي ترهن أصواتها للمصالح الضيقة أو الحسابات الظرفية تدفع باهظاً ضريبة التراجع التنموي وضعف التمثيلية. فالتصويت ليس مجرد طقس موسمي أو مجاملة عابرة، بل هو تعاقد اخلاقي وسياسي طويل الأمد؛ فحين نختار الكفاءة النزيهة، فإننا نعبد الطريق نحو مؤسسات قادرة على التشريع الرصيد والمراقبة الفعالة، وحين نتهاون فإننا نشارك بطريقة غير مباشرة في إطالة أمد ركودنا المحلي والوطني.
من هذا المنطلق، تتحول المسؤولية الفردية إلى واجب جماعي عابر للأجيال. فكر جيداً في مستقبل أبنائك وحقهم في العيش داخل بيئة تسودها تكافؤ الفرص، وتأكد أن التغيير الإيجابي لا يولد صدفة، بل يصنعه واعون حكيمون يدركون تمام الإدراك أن الامتناع عن التصويت سلبية، والاختيار الخاطئ عتبة للندم.
هذا التصويت الواعي يقتضي منا جميعاً أن نتجرد من الوعود البراقة والانتماءات العمياء، وأن نقدم مصلحة الصالح العام فوق كل اعتبار شخصي أو حزبي ضيق. وحكم العقل يبدأ حتماً حين نسأل أنفسنا بصدق عن الكفاءة والنزاهة والقدرة الفعلية على تمثيل تطلعاتنا، لا عن مجرد الخطابات الرنانة والفتات الذي يتبخر مع انتهاء الاقتراع.
ولأن العاطفة قد تخدع البصيرة وتجرنا إلى اختيارات مؤقتة، فإن التفكير الرشيد والتحليل الموضوعي يظلّان البوصلة الحقيقية نحو التغيير الإيجابي والبناء الحقيقي.
تذكر جيداً أن صوتك شرف وكرامة؛ فلا تمنحه إلا لمن يستحق الثقة، واجعل ضميرك وعقلك هما الحَكَم الأوحد أمام صندوق الاقتراع غداً. إن الأوراق تنطوي، والأصوات تعد، لكن الأثر يبقى مرسوماً على وجه الوطن لسنين طوال؛ فاجعل ورقتك اليوم شهادة حق في تاريخنا، وبصمة عُليا تليق بغدٍ نستحقه استحقاقاً لا تمنياً.







