تتجه مساجد المملكة، يوم الجمعة 22ربيع الأول 1448هـ الموافق لـ4 شتنبر 2026، إلى تناول موضوع بالغ الدلالة، بعدما أثارت تصريحات محمد الفايد حول أمية النبي محمد ﷺ موجة واسعة من الجدل والرفض، لتضع الخطبة الموحدة «الرسول ﷺ مربيا ومعلما» قضية الأمية والجهل في سياقها الشرعي الصحيح.
فالخطبة الرسمية، المنشورة من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، اليوم الأربعاء، خصصت جانبا أساسيا منها لتأكيد أن النبي ﷺ كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك كان معلما ومربيا لأمة كاملة. وتستحضر الخطبة الآيات التي تربط بين الرسالة والعلم والتعليم، قبل أن تؤكد أن الله تعالى أكرم نبيه بمجامع العلوم، مع كونه أميا لا يقرأ ولا يكتب.
وهنا تكمن أهمية الرسالة التي تحملها خطبة الجمعة المقبلة وهي أن الأمية ليست الجهل، والجهل ليس مرادفا للأمية. فالأمية، في هذا السياق، تتعلق بالقراءة والكتابة، بينما العلم أوسع من مجرد امتلاك هذه الأدوات. وقد يكون الإنسان قارئا كاتبا، لكنه فارغ من العلم والحكمة، كما يمكن أن يكون غير قارئ ولا كاتب، لكنه يحمل من العلم ما لا يحمله كثير ممن يمتلكون أدوات الكتابة.
والخطبة لا تترك مجالا للخلط حين تنتقل من الحديث عن الأمية إلى الحديث عن العلم، فتؤكد أن الله تعالى علّم نبيه ﷺ ما لم يكن يعلم، وأن الرسول تولى بعد ذلك تعليم الناس وتزكيتهم، فنجح في تغيير وجه التاريخ خلال ثلاث وعشرين سنة.
وهذا المعنى يأتي في قلب السجال الذي فجّره المثير للجدل الفايد عندما طرح، في منشور وتصريحات متداولة، تساؤلا حول كيفية اختيار رسول «لا يقرأ ولا يكتب» لتبليغ الرسالة، إضافة لمقطع فيديو للشخص المثير ذاته يتضمن استهزاء ببعض ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من صِفاته الخِلقية، وتكذيبا ببعض ما ثبت من خصائصه النبوية، قائلا بأسلوب ساخر: (…ويمجدون الرسول، وعريس القيامة، وعندو الحوض، جميل، وعندو عينين جميلتان، وكان شعره، وكان إذا جلس، وكان إذا مر يسلم عليه الحجر والشجر، وكان إذا كذا وكذا…)..
قبل أن تتسع دائرة الانتقادات وتدخل شخصيات علمية وسياسية على خط القضية. وقد وصفت مصادر إعلامية الجدل بأنه تجاوز النقاش اللغوي إلى سجال حول مقام النبوة، بينما نقلت ردودا علمية ودينية شديدة على الطرح.
وكان الشيخ محمد الحسن ولد الددو من أبرز الأصوات التي ردت على الفايد، إذ اعتبر كلامه تجاوزا خطيرا، فيما صدرت ردود أخرى من علماء ودعاة وباحثين، مطالبة بالتعامل مع القضية بما يليق بمقام النبوة. كما دخل مصطفى الرميد على خط الجدل، منتقدا ما اعتبره تكرارا للخوض في قضايا دينية خارج الاختصاص.
ولذلك، فإن خطبة الجمعة المقبلة لا تبدو مجرد درس عابر في السيرة النبوية؛ فهي تأتي في لحظة يحتاج فيها النقاش العمومي إلى تصحيح المصطلحات قبل إطلاق الأحكام. فالخلط بين الأمية والجهل ليس مجرد خطأ لغوي إذا ترتب عليه وصف مقام النبوة بما لا يليق، ولا يمكن التعامل مع قضايا الثوابت الدينية بمنطق الاستفزاز أو البحث عن الإثارة على منصات التواصل.
الخطبة تعيد أيضا وضع المسألة في إطارها الإيجابي، فالنبي ﷺ أمّي في القراءة والكتابة، لكنه معلم البشرية، وتؤكد أن رسالته قامت على التعليم والتربية والتزكية، وأن الله تعالى علمه الكتاب والحكمة، وأنه نقل العلم إلى أصحابه وأمته، فكان سيد المعلمين وإمام المربين.
ومن هنا تتجدد المطالب بضرورة ألا ينتهي هذا الملف عند حدود بيانات الاستنكار والردود الإعلامية. فإذا كانت التصريحات موضوع المتابعة قد أثارت شبهة المساس بثابت ديني وبمقام الرسول ﷺ، فإن الاحتكام إلى المؤسسات المختصة والقانون يبقى الطريق الطبيعي لحسم ما إذا كانت الأفعال والتصريحات تستوجب متابعة قضائية من عدمها، بعيدا عن منطق التشهير أو العقاب خارج المؤسسات.
ويبقى التحدي الآن أمام الجهات المختصة أن تتحول هذه القضية من عاصفة عابرة على مواقع التواصل إلى مسار مؤسساتي واضح يحدد المسؤوليات، ويطبق القانون، ويحمي الثوابت الدينية للمغاربة دون إفراط أو تفريط.








