زايوسيتي
تشكل محطة ترشح النساء في الانتخابات التشريعية بجهة الشرق نموذجاً مصغراً يعكس بدقة الإشكالات الكبرى التي تخترق المشهد الحزبي والسياسي المغربي عموماً، حيث تتقاطع رهانات المناصفة والديمقراطية المحلية مع إكراهات البنيات القبلية والمال الانتخابي والكواليس الحزبية المركزية، وهو ما يبرز جلياً عند تفكيك إشكاليات الاختيار والتدبير التي تثير سيلاً من الانتقادات والاحتقان الميداني.
تعاني عملية اختيار وكيلات اللوائح، سواء في الدوائر المحلية أو عبر اللوائح الجهوية المخصصة للنساء، من تعقيدات بنيوية تبدأ من سطوة القيادات المركزية في الرباط وصولاً إلى تهميش المجالس والقواعد الحزبية المحلية في مدن مثل وجدة والناظور وبركان وفجيج، إذ غالباً ما تُحسم هذه التزكيات في الكواليس المغلقة بعيداً عن أي معايير ديمقراطية شفافة، مما يخلق شعوراً عميقاً بالإقصاء لدى النساء اللواتي قضين سنوات في التأطير والنضال الميداني بالجهة.
وفي بيئة سوسيولوجية تتميز بخصوصيات قبلية وعائلية واضحة، تلعب شبكات العلاقات والولاءات دوراً محورياً يمنح التزكيات في كثير من الأحيان لأسماء مرتبطة بأعيان المنطقة أو ببرلمانيين سابقين، لتتحول التمثيلية النسائية تدريجياً إلى امتداد لعائلات سياسية نافذة بدل أن تكون ثمرة كفاءة واستحقاق، فضلاً عن النقاش الحاد الذي يرافق تصدر أسماء معينة للوائح الجهوية التي تحولت في نظر الكثيرين إلى نوع من الريع الحزبي الذي يستفيد منه المقربون.
تبرز هذه المشاكل بحدة ملموسة في ظل التحذيرات المستمرة للفعاليات الحقوقية والجمعوية من تحول مسارات منح التزكيات إلى ما يشبه السوق الانتخابية التي يتحكم فيها المال والنفوذ، إلى جانب استمرار الإقصاء من الدوائر المحلية الكبرى حيث غابت الجرأة الحزبية في الدفع بالنساء للتنافس المباشر ضد الرجال، ليكتفي الحزبيون بتخصيص النساء للوائح الجهوية المضمونة نسبياً وتكريس صورة نمطية تحصر دورهن في كوتا عددية لا في مواجهة سياسية حقيقية، ناهيك عن غياب الدعم اللوجستي والمادي الحقيقي عن المرشحات في المناطق النائية مثل جرسيف وجرادة وفجيج لخوض حملات متكافئة.
هذا الوضع المعقد أفرز حالة واضحة من الاحتقان والغضب الكامن والظاهر في صفوف المناضلات الحزبيات والفعاليات المدنية بالجهة؛ فغضب القواعد النسائية يتغذى من شعور الاستغلال لجهودهن في الحملات بينما تفرض عليهن أسماء وافدة عبر مظلات التزكية المركزية، بالتوازي مع استياء حقوقي واسع من استمرار العنف الرمزي ضد النساء عبر تسليمهن مواقع صورية تستغل فقط لتحقيق نسب المشاركة المطلوبة قانونياً، فضلا عن إحباط عميق لدى نساء العالم القروي والمناطق الهشة اللواتي لا يرين في هذه الأسماء المفروضة صوتاً حقيقياً يعبر عن مشاكلهن التنموية والاقتصادية العميقة من بطالة وهشاشة وضعف في البنيات التحتية، مما يجعل الرهان على إفراز نخب نسائية قوية قادرة على إحداث التغيير الحقيقي بالشرق أمناً مؤجلاً يحتاج إلى جرأة سياسية حقيقية تصحح المسار وترد الاعتبار للعمل الحزبي الجاد.








