بقلم خالد آيت عدي
تُعتبر البيئة في عصر العولمة الشريان الحيوي الذي ينعكس مستواه نظافةً وتنظيمًا على جودة حياة التمدن ومدى تجسيدها لقيم المواطنة والعيش المشترك بين الجميع و دون استثناء. غير أن بعض السلوكات الإنسانية غير المسؤولة و الإنفرادية تُحوّل المجال الحضري من فضاء للسكينة والتساكن و الطمائنينة إلى بؤرة للتوترات الاجتماعية والمخاطر الصحية و افعال منافية لقيم الأخلاق. وتُشكل ظاهرة الانتشار العشوائي للنفايات رميها أمام منازل حسن الجوار أو في الفضاءات العامة بمدينة زايو—وتحديدًا داخل حي الجديد—إحدى الظواهر المؤرقة التي تتجاوز حدود التلوث المادي لتلامس أبعادًا قانونية، وإصلاحية، وأخلاقية،تتمظهر في أبعادها الرمزية تتمثل في الانتهاك الصريح لـ حقوق الجار و الجوار. و من هنا يمكن القول أنا تشريح هذه الظواهر التي كانت في سابق عهد مدينة زايو تلقب بمدينة الحدائق تيمما بالفضاء الاندلسي بإسبانيا ، و لعل حدائق وسط المدينة شاهد على عصرها ، لكن الاندلس بإسبانيا شاهد على عصر الاعتناء الذي يكنى لها و بجمالها محافظة على هيبتها ، غير أن زايو جواب آخر بحيث بقيت الاشكال و غاب الثياب الذي يستر رونقها و جمالها . و من هنا ينبغي أن نحدد طبيعة هذه الظواهر و هي كالآتي :
أولًا: التوصيف الميداني للظاهرة داخل زايو و تحديدا حي الجديد
يُظهر التتبع الميداني في “مدينة زايو ” نمطًا متكررًا يسلط الضوء على عمق المشكلة؛ إذ تتراكم أكياس النفايات المنزلية في أزقة الأحياء وعلى جنبات الطرق بشكل غير ملائم لمتطلبات حفظ الصحة العامة و الفضاء العمومي ، بحيث تزداد هذه الظواهر الدخيلة على الأحياء حدة بشكل ملحوظ خلال فترة الصيف، كما تتضافر عوامل عديدة لتفاقم الوضع الزمان من بينها :
حرارة الصيف تسهم درجات الحرارة المرتفعة في تسريع خروج العصارة وتسريع تحلل المواد العضوية داخل أكياس القمامة اضافة إلى الحيونات و القطط لتسد جوعها و تفتك بالأكياس البلاستيكية.
إلى جانب الضغط الديمغرافي وعودة الجالية المقيمة بالخارج : ترتفع الكثافة الاستهلاكية في الأحياء خلال فصل الصيف، ما يضاعف الاستهلاك و كمية النفايات المرتفعة المطروحة يوميًا مما يؤدي إلى نتائج وخيمة تؤدي هذه الظروف إلى انتشار روائح كريهة حادة “تزكم الأنوف”، وتوفير بيئة خصبة لتكاثر الحشرات والضرار، ما يحول شوارع الأحياء وأزقته إلى نقاط سوداء تُكدر صفو الحياة اليومية للسكان.
لكن ألا يمكن أن يضع هذه الأفعال المخالفة لقيم البيئة و حسن الجوار إلى الأبعاد القانونية والأخلاقية؟
1. المفهوم الأخلاقي والاجتماعي
يمثل مفهوم “الجوَار” في الثقافة الإسلامية والأعراف المغربية الأصيلة قاعدة متينة تقوم على التكافل والمراعاة المتبادلة،
بحيث ارتبطت حقوق الجار في الإسلام بأصل العقيدة؛ حيث لم تُترك للاجتهادات الشخصية، بل عُدّت من علامات كمال الإيمان:
ففي القرآن الكريم: قرن الله تعالى عبادته بالإحسان إلى الجار في قوله:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ﴾ (النساء: 36). ثم الأحاديث النبوية المتفق عليها.
إن إلقاء النفايات بقرب منازل الجيران أو تعريضهم للروائح النفّاثة يُعد صنيعًا يخرق “ميثاق العيش المشترك”، ويحظر الحق الأساسي للجار في الطمأنينة والسلامة الصحية في بيته.
2. المنظور القانوني والحقوقي
لا يقتصر الأمر على الامتعاض الأخلاقي، بل يتعداه إلى صريح النصوص القانونية:
الترسانة البيئية: ينص التشريع المغربي (لا سيما القانون رقم 28.00 المتعلق بمديرية وشفافية تدبير النفايات والتخلص منها) على منع رمي القمامة خارج الأماكن المخصصة لها.
مبدأ عدم الإضرار: يُقر القانون المدني والمواثيق الجماعية بمبدأ رفع الضرر؛ إذ يترتب على إحداث ضرر غير مألوف للجوَار (كالروائح الكريهة والتلوث) مسؤولية موجبة لرفع الضرر والتوقف فورًا عن تلك السلوكيات.
ثانيا: العوامل المسببة للمشكلة
الأسباب المؤدية لتفاقم الظاهرة
ضعف السلوك المدني ( السلوك المدني المنصوص عليه في الدستور و المواثيق و القوانين المتعاقد عليها داخل جهاز الدولة) . إنغياب الوعي لدى بعض الأفراد بأهمية الالتزام بأوقات وأماكن إخراج النفايات، واللامبالاة بمدى تأثير تصرفاتهم على راحة الآخرين. يشكل توترا اجتماعيا يمس بقيم الغير و الجوار و البيئة عموما …هذه التمظهرات تضعنا أمام تحديات من بينها:
التحديات اللوجستية : نقص أو سوء توزيع حاويات القمامة في بعض أزقة حي الجديد، أو تباعد المواعيد المخصصة لجمعها مقارنة بحجم النفايات الصيفية.
في مقابل ذلك أيضا غياب آليات الرقابة سيما ضعف تفعيل العقوبات أو الذعائر الزجرية ضد المخالفين والمتسببين في النقاط السوداء داخل الأحياء السكنية.
ثالثا: الحلول والتوصيات المقترحة
للحفاظ على البيئة الحضرية لأحياء المدينة وتحديدا حي الجديد وصون حقوق الجوار، يُقترح الاعتماد على خريطة دينامية في قلبها المجتمع المدني :
* التحسيس والتوعية:
ــ تنظيم حملات توعوية من قِبل جمعيات المجتمع المدني بمدينة زايو تُركز على تعزيز “السلوك المدني” وأخلاقيات الجوار.
ــ إبراز الخطر الصحي للروائح والنفايات المتراكمة خاصة في فصل الصيف.
* التدبير اللوجستي والخدماتي:
ــ تكثيف عدد حاويات القمامة وتوزيعها بذكاء هندسي داخل أزقة حي الجديد.
ــ تعديل جداول مرور شاحنات النظافة خلال الصيف لتلائم حجم التراكمات اليومية وتفادي ترك الأكياس لفترات طويلة تحت أشعة الشمس.
* تفعيل البعد الزجري:
ــ تفعيل دور الشرطة البيئية أو المراقبة الجماعية لتطبيق الغرامات المالية على الرمي العشوائي للنفايات.
ــ وضع علامات منع وضبط المخالفات في النقاط التي تتكرر فيها الظاهرة.
ختام
إن بيئة عموما حسب الابعاد الكونية : « À l’ère post








