زايوسيتي
حين تُطلّ علينا صورة «حافلة تشاطو» الشهيرة، تعود بنا الذاكرة عفوياً إلى زمن تكسوه البساطة وتكتنفه أرواح حية تركت بصماتها في تفاصيل المنطقة. فقد كانت هذه الحافلة التاريخية شرياناً حيوياً يربط بين الناظور ورأس الماء مروراً بزايو، تحمل على متنها وجوهاً وذكريات وحكايات لا تُنسى طبعت مسارات تلك الحقبة.
ولم تقتصر رمزية الحافلة على دورها في النقل والتنقل فحسب، بل ارتبطت بصفحات مشرفة من تاريخ المقاومة ضد الاستعمار؛ إذ يُروى أنها شكلت وسيلة آمنة لنقل الأسلحة للمجاهدين بفضل صندوق سري أُعد بعناية، في سرية لم تكن تدرك خباياها سوى فئة قليلة.
ومع تعاقب السنين وانقلاب الأحوال، توقفت العجلات عن الدوران في ستينيات القرن الماضي إثر وفاة مالكها، ليقوم ابنه، السيد حسن تشاطو (أطال الله في عمره)، بإدخالها إلى مرآبه الكائن بشارع الأمير سيدي محمد. وهناك ظلت ساكنة لسنوات طويلة تشهد على تبدل معالم المكان وتغير الأجيال، قبل أن تنتقل ملكيتها إلى شخص بطنجة، ومن ثمة إلى السيد عبد اللاوي الذي تكفل بمهمة إحيائها.
فبفضل العناية الفائقة والجهود المضنية التي بذلها السيد عبد اللاوي في ترميمها، استعادت الحافلة رونقها وشبابها لتتحول من حطام يروي صمت الماضي إلى تحفة أثرية حية. واليوم، تستقر هذه القطعة التراثية الفريدة في متحف بوسكورة، محافظةً على عبق الذاكرة الجماعية.
إن رؤية حافلة «تشاطو» اليوم لا تُترجم مجرد استعراض لآلية قديمة، بل هي نافذة تطل بنا على دروب زايو والناظور ورأس الماء القديمة، لنسمع في صدى خيالنا هدير محركها وهو يشق عباب الطرقات صانعاً تاريخاً لا يُنسى.










