بقلم سعيد الوردي
يجسّد الأستاذ عبد الناصر سلامة ، ابن مدينة زايو، صورة وضيئة للباحث المتشبع بروح القرآن ، و الفاعل التربوي الذي جعل من المعرفة رسالة و من الأخلاق منهجا . فقد جمع في مساره بين التكوين الأكاديمي المتين و الانخراط الجاد في البحث العلمي إلى التزامه العميق بأداء رسالته التربوية داخل أسوار المدرسة .
بدأت ملامح هذا المسار منذ حصوله على شهادة البكالوريا في العلوم التجريبية سنة 2006 من ثانوية حسان بن ثابت التأهيلية بزايو ، و هو اختيار يكشف عن تكوين علمي أوليّ منضبط . غير أن شغفه بالعلوم الشرعية ، و تعلّقه بالنص القرآني ، سرعان ما وجّها بوصلته نحو الدراسات الإسلامية ، حيث التحق بالكلية المتعددة التخصصات بالناظور ، لينال منها سنة 2010 شهادة الإجازة ، فاتحا بذلك باب التخصص العميق في الدراسات القرآنية .
و مع انتقاله إلى مرحلة الماستر ، بدأ مشروعه العلمي يتبلور بشكل واضح ، فاختار الاشتغال على موضوع دقيق يجمع بين التفسير و الكونيات ، من خلال بحثه الموسوم ب “دلالات الآيات الكونية من خلال تفسير ابن عاشور- التحرير و التنوير – سور المفصّل نموذجا ” . و قد شكل هذا العمل إضافة نوعية ، إذ سعى من خلاله إلى استنطاق النص القرآني في أبعاده الكونية ، مستحضرا مقاربة تفسيرية رصينة تستند إلى تراث الإمام ابن عاشور ، و تستشرف في الآن ذاته آفاق القراءة المعاصرة . و هو بحث لا يقف عند حدود الوصف ،بل ينفذ إلى عمق الدلالة رابطا بين النص و الكون ، و بين البيان القرآني و السنن الكونية .
و لم يكن هذا العمل سوى بداية لمسار بحثي متواصل ، حيث انخرط الأستاذ عبد الناصر سلامة في سلك الدكتوراه بجامعة محمد الأول بوجدة، باحثا في موضوع بالغ الأهمية و الراهنية. ” نظرية السياق في تفسير القرآن عند المغاربة : دراسة في الأصول و الامدادات ” . و هو اختيار يعكس وعيا علميا دقيقا بأحد المفاتيح المنهجية الكبرى في فهم القرآن الكريم . إذ يُعدّ السياق من أبرز الآليات التي تضبط المعنى و توجّه التأويل . كما يكشف هذا الموضوع عن حرصه على إبراز خصوصية المدرسة المغربية في التفسير ، و استجلاء إسهامات علمائها في بناء هذا الحقل المعرفي ، بما يعزّز حضورها في النقاش العلمي المعاصر .
و إلى جانب هذا التكوين الأكاديمي المتين ، يزاول الأستاذ مهامه التربوية بالسلك الثانوي الإعدادي ، حيث يمارس مهنة التعليم لا بوصفها وظيفة فحسب ، بل رسالة قائمة على بناء الإنسان قبل تلقين المعرفة . فهو أستاذ يجمع بين وضوح الشرح وعمق الفهم . و بين الصرامة المنهجية و البعد الإنساني ، مؤمنا بأن التربية الحقيقية هي التي تنمّي العقل و تهذّب السلوك في آن واحد .
أما على مستوى الإنتاج العلمي ، فقد راكم الأستاذ عبد الناصر سلامة رصيدا معتبرا من البحوث المحكمة و المقالات العلمية المنشورة في مجلات دولية متخصصة ، ما يعكس حضوره الفاعل في ساحة البحث القرآني ، و من أبرز هذه الإسهامات :
* بحث محكّم بعنوان : ” دلالات الآيات الكونية من خلال تفسير ابن عاشور – التحرير و التنوير – سور المفصّل نموذجا ” ، منشور بمجلة تدبر بالمملكة العربية السعودية ، و هو امتداد علمي لبحثه في الماستر ، يعمّق فيه النظر في العلاقة بين النص القرآني و الكون .
* بحث محكّم بعنوان : ” منهج القرآن في تقرير صلة الأرحام و بيان فضلها ” ، بمجلة تدبر ، حيث يعالج موضوعا اجتماعيا و أخلاقيا من منظور قرآني تأصيلي .
* بحث محكّم بعنوان : مناسبة القصص القرآني لموضوعات السور : سورة الذاريات نموذجا ” بمجلة تدبر ، يكشف فيه عن الترابط الدلالي بين القصص القرآني و بنية السورة .
* بحث محكّم بعنوان : الوحدة الموضوعية لسورة النازعات في ضوء علم التناسب : دراسة تطبيقية ” ، بمجلة تدبر ، و هو عمل يعكس اهتمامه بعلم التناسب و الوحدة الموضوعية .
* مقال بعنوان : ” الآليات الكونية في القرآن الكريم : سياقاتها و دلالاتها ” ، منشور بمجلة الفرقان بالأردن ، و هو امتداد لاهتمامه بالبعد الكوني للقرآن الكريم .
* مقال بعنوان ” منهج الدعوة إلى الله تعالى من خلال سورة المدثر ” ، منشور بمجلة الداعي- الجامعة الإسلامية دار العلوم – الهند ، حيث يقارب أصول الدعوة من خلال النص القرآني .
* مقالات قرآنية متعددة بمجلة الوعي الإسلامي- وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية – الكويت ، إضافة إلى إسهامات أخرى كثيرة تؤكد غزارة إنتاجه و استمرارية حضوره العلمي .
و تكشف هذه الأعمال ، في مجملها ، عن مشروع علمي متكامل ، يقوم على عدد من المرتكزات المنهجية ، من أبرزها : العناية بالسياق القرآني ، و استحضار الوحدة الموضوعية للسور ، و الاهتمام بالآيات الكونية ، و ربط التفسير بالواقع الإنساني و الاجتماعي . و هي كلها عناصر تدل على نضج علمي ، و قدرة على الجمع بين التأصيل و التجديد .
غير أن ما يضفي على هذا المسار بعده الإنساني العميق ، هو ما يتحلى به الأستاذ عبد الناصر سلامة من أخلاق رفيعة ، و حسّ إنساني مرهف ،يجعلان منه مثالا يُحتذى به في التواضع و الجدية و الالتزام. فهو من أولئك الذين لا يفصلون بين العلم و العمل ، و لا بين المعرفة و القيم . بل يرون في الأخلاق روح العلم ، و في السلوك ترجمة حقيقية للمعرفة .
إنه باحث يسير بثبات في دروب القرآن الكريم ، لا يبتغي إلا خدمة كتاب الله تعالى علما و تدبّرا ، و أستاذ يؤدي رسالته بإخلاص ، مساهما في بناء أجيال واعية ، قادرة على الفهم و النقد و الإبداع . و في جمعه بين هاتين الرسالتين- البحث و التربية – تكمن فرادته ، و تتجلّى قيمته ، بوصفه واحدا من النماذج العلمية التي تستحق التقدير و الاحتفاء .
الأستاذ : سعيد الوردي خريج كلية الشريعة – جامعة القرويين – فاس








