أثارت ادعاءات واسعة الانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي، جدلا كبيرا بالمغرب وبالجارة الشمالية، بعد أنباء عن قرار للحكومة الإسبانية منح رخص السياقة لأكثر من مليون مغربي دون اجتياز أي امتحان، عبر مسطرة إلكترونية جديدة.
وقد تم تداول هذه المزاعم بشكل مكثف منذ شهر دجنير الماضي، وسط مشاركة واسعة، ما دفع إلى تساؤلات واسعة حول صحتها وخلفياتها.
ومن بين الجهات التي ساهمت في الترويج لهذا الادعاء، صحيفة “لا غاسيتا دي لا إيبيروسفيرا”، المملوكة لمؤسسة “ديسينسو”، وهي منظمة يرأسها زعيم حزب “فوكس” اليميني المتطرف، حيث استخدمت المزعم ذاته عنوانا لأحد مقالاتها لمهاجمة رئيس الحكومة المركزية، بيدرو سانشيز وسياسته الخارجية، وفق ما أفادت به وكالة “فرانس بريس”.
ولم يقتصر تداول هذه المزاعم على منصة “إكس”، بل انتشرت أيضا على نطاق واسع عبر “فيسبوك” و”انستغرام” و”تلغرام” و”تيك توك”، ما زاد من انتشار المعلومات المضللة المرتبطة بموضوع حساس يتقاطع فيه البعد الإداري مع النقاش السياسي والهجرة.
وفي هذا السياق، أوضحت “فرانس بريس” أن المعطيات الرسمية تظهر أن إسبانيا بدأت منذ ماي الماضي في تطبيق نظام إلكتروني جديد لاستبدال رخص السياقة الأجنبية، تشرف عليه المديرية العامة للمرور الإسبانية.
ويهدف هذا النظام إلى تبسيط الإجراءات الإدارية التي كانت تتطلب سابقا حجز موعد حضوري، دون أن يعني ذلك إحداث تغيير في الشروط القانونية الأساسية المعمول بها.
ويتمثل هذا الإجراء في تسليم رخصة السياقة الصادرة عن البلد الأجنبي إلى المديرية العامة للمرور، مقابل الحصول على رخصة قيادة إسبانية، وذلك بالنسبة لمواطني الدول التي تربطها بإسبانيا اتفاقيات ثنائية في هذا المجال، والتي تشمل 33 دولة من بينها المغرب.
ووفق المصدر ذاته، فإن النقطة الجوهرية التي تم تجاهلها في المنشورات المتداولة، هي أن اتفاق تبادل رخص السياقة بين المغرب وإسبانيا ليس وليد الحكومة الحالية برئاسة بيدرو سانشيز، الذي تولى منصبه سنة 2018، بل يعود إلى سنة 2004، حين كان خوسيه ماريا أزنار، زعيم الحزب الشعبي (المعارضة الحالية)، على رأس الحكومة الإسبانية.
وينص هذا الاتفاق على إمكانية تبادل رخص السياقة “دون الحاجة إلى اجتياز امتحانات نظرية أو عملية”، بالنسبة لرخص السياقة العادية، وهو ما يعني أن هذا الإجراء معمول به منذ أكثر من عقدين، وليس قرارا جديدا أو استثنائيا يستهدف فئة بعينها.
أما بخصوص رخص قيادة الحافلات والشاحنات، فقد كان يشترط في السابق اجتياز اختبارين نظري وعملي، غير أن الاختبار النظري تم إلغاؤه سنة 2024، مع الإبقاء على الاختبار العملي، وفق القوانين الجاري بها العمل.
وتؤكد السلطات الإسبانية أن عملية استبدال رخص السياقة المغربية ليست مجانية، خلافا لما ورد، إذ تخضع لرسوم إدارية تختلف حسب نوع الرخصة، إضافة إلى تكاليف أخرى مرتبطة بإجراء فحص القدرات النفسية والبدنية، وهو شرط إلزامي للحصول على رخصة قيادة إسبانية.
إلى جانب ذلك، يشترط القانون الإسباني أن يكون طالب استبدال رخصة السياقة مقيمًا بشكل قانوني في إسبانيا، وأن يكون قد حصل على رخصة القيادة في بلده الأصلي قبل تاريخ حصوله على الإقامة، وهو ما يفند الادعاء القائل بمنح الرخص بشكل تلقائي أو جماعي لمليون مغربي.
وفي الختام، أكدت “فرانس بريس” أن ما يتم تداوله بشأن منح إسبانيا رخص السياقة لمليون مغربي دون امتحان وبقرار من حكومة سانشيز، لا يعدو أن يكون معلومات مضللة، تتجاهل السياق القانوني والتاريخي للاتفاق القائم بين البلدين، وتخلط بين رقمنة المساطر الإدارية وبين تغيير الشروط القانونية، في وقت تؤكد فيه المعطيات الرسمية أن الإجراء قديم، منظم، وغير مجاني، ويخضع لشروط واضحة ومحددة.








