زايوسيتي
تُشكل وزارة التربية الوطنية واحدة من أكثر الحقائب الوزارية تعقيداً وحساسية، حيث تتصادم التطلعات الشعبية بحدود الإمكانيات المتاحة. وفي إطار النقاش السياسي والاعلامي حول المدرسة العمومية، برز تصريح إعلامي لنبيل بنعبد الله أثناء الحملة الانتخابية ، قدّم من خلاله تشخيصاً دقيقاً واقتراحات عملية تعكس رؤيته لكيفية تدبير هذا القطاع الحيوي في حال توليه مسؤولية القطاع.
يبدأ الإصلاح الحقيقي—حسب تشخيص بنعبد الله—من جذور المنظومة، وتحديداً من التعليم الأولي. إذ لا يمكن بناء نظام تعليمي متين دون إرساء قواعد صلبة للأطفال في سنواتهم الأولى. وفي هذا السياق، شدد على ضرورة تجاوز النظرة الهشّة لعمال وشغيلة هذا القطاع، داعياً إلى إنصاف الأطر التربوية لا سيما في المناطق الهامشية والجبلية، من خلال تحسين أجورهم وضمان كرامتهم المهنية لتفادي تحويل التعليم الأولي إلى مجرد خدمة هامشية غير متكافئة.
وعند التطرق للمشاريع الإصلاحية الحالية، لم يتردد بنعبد الله في تقديم قراءة نقدية لتجربة “مدارس الريادة”. ورغم إقراره بالعناصر الإيجابية والمكاسب البيداغوجية التي تحملها هذه التجربة، إلا أنه حذّر من خطر تحوّلها إلى نظام تعليمي مزدوج داخل القطاع العمومي نفسه، نظام يخلق “مدارس نخبوبة” تحظى بالدعم والإمكانيات، وأخرى تعاني التهميش والاكتظاظ. فالغاية الأساسية من أي نموذج ناجح هي السرعة في التعميم لضمان العدالة المجالية والاجتماعية بين جميع أبناء الوطن.
لا يقتصر الإصلاح على داخل الفصل الدراسي فحسب، بل يمتد ليشمل البيئة الاجتماعيات المحيطة بالتلميذ. ومن هذا المنطلق، دعا بنعبد الله إلى مواجهة صريحة لظاهرة الهدر المدرسي، لا سيما في العالم القروي وبين الفتيات. ويتأتى ذلك عبر آليات دعم مالية ولوجستية ملموسة تُوجّه مباشرة للأسر المعوزة، بالتوازي مع تعزيز بنيات الاستقبال كالداخليات وشبكات النقل المدرسي، لضمان استمرار الأطفال في تحصيلهم العلمي دون عقبات مادية.
إن أي إستراتيجية إصلاحية تظل حبراً على ورق ما لم تضع الأستاذ في صلب اهتمامها. وقد أبرز نبيل بنعبد الله أهمية استعادة الثقة بين الإدارة والأسرة التعليمية، عبر التكوين المستمر والبيداغوجي المتطور، وتحسين الأوضاع المادية والاجتماعية لنساء ورجال التعليم.
واستحضر بنعبد الله الأزمات والإضرابات الأخيرة كدرس بليغ يؤكد أن الاستجابة المبكرة والمسؤولة لمطالب المدرسين هي السبيل الوحيد لحماية الزمن المدرسي للتلاميذ وضمان الاستقرار التربوي.
واختُتم هذا التصور بالدعوة إلى القطع مع سياسات الترقيع والحلول الظرفية، عبر التفعيل الحقيقي والكامل للقانون الإطار للتعليم وتوصيات النموذج التنموي الجديد. فهذه المرجعيات، التي حظيت بتوافق وطني واسع بين مختلف الفاعلين السياسييين والاجتماعيين، تشكل الخارطة الكفيلة بإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية باعتبارها الركيزة الأساسية لتكافؤ الفرص والارتقاء الاجتماعي.


