زايو سيتي
من طفلة تحمل كاميرا صغيرة لتوثيق مشاهد عابرة خلال الرحلات العائلية إلى المغرب، إلى فنانة فوتوغرافية تعرض أعمالها في فضاءات فنية ببلجيكا، قطعت كوثر أوح مساراً إبداعياً جعل من الذاكرة العائلية والجذور الريفية محوراً أساسياً في تجربتها الفنية.
وتنحدر كوثر، المولودة بمدينة بروكسيل، من أسرة تعود أصولها إلى إقليم الناظور، حيث نشأت بين ثقافتين ولغتين، في بيئة أوروبية ظلت فيها صور المغرب والريف حاضرة من خلال الزيارات العائلية والذكريات المتوارثة، ومع مرور السنوات، تحولت المسافة بين مكان نشأتها وأرض أصولها إلى أحد أبرز الأسئلة التي تستكشفها أعمالها الفوتوغرافية.
بدأ اهتمام كوثر بالتصوير في سن الحادية عشرة، عندما حصلت على كاميرتها الأولى، وشرعت في التقاط صور للمباني والطبيعة والأزقة، وأحياناً من داخل سيارة الأسرة خلال الرحلات إلى المغرب. ولم تكن تتصور آنذاك أن هوايتها ستتحول إلى مسار مهني، أو أن التفاصيل التي توثقها بعفوية ستصبح لاحقاً جزءاً من مشروع فني يستكشف الهوية والانتماء والذاكرة.
لم يكن اختيار التصوير الفوتوغرافي مهنةً أمراً سهلاً بالنسبة إليها، خصوصاً في ظل تخوف أسرتها من عدم استقرار العمل الفني، فوالداها، اللذان بنيا حياتهما في بلجيكا انطلاقاً من ظروف أسرة مهاجرة، كانا يفضلان لها مساراً دراسياً يضمن مستقبلاً مهنياً أكثر وضوحاً.
واتجهت كوثر في البداية إلى دراسة التربية المتخصصة، قبل أن تدرك أن اهتمامها الحقيقي يكمن في مجال الفنون. وفي شتنبر 2020، التحقت بمدرسة LUCA للفنون في بروكسيل، بحثاً عن مساحة لتطوير تجربتها الفوتوغرافية وصقل رؤيتها الإبداعية.
غير أن تجربتها داخل المؤسسة لم تخلُ من الصعوبات؛ إذ تحدثت عن شعورها بالعزلة في محيط فني يغلب عليه الطلبة والأساتذة البيض، كما أشارت إلى مواقف وتعليقات مرتبطة بارتدائها الحجاب، وهي تجارب أثرت في علاقتها بالدراسة والتصوير، ودفعتها إلى إعادة التفكير في موقعها داخل الوسط الفني.
وفي خضم هذه المرحلة، وجدت كوثر نفسها أمام أسئلة تتجاوز الجانب التقني للتصوير، لتشمل مدى حضور تجارب أبناء الأسر المهاجرة وتمثيل هوياتهم داخل المؤسسات الثقافية والفنية الأوروبية.
وشكّلت ملابس جدتها الراحلة نقطة تحول في مسارها، بعدما عثرت في خزانة والدتها على نحو عشرين قفطاناً احتفظت بها الأسرة، إلى جانب قطع من الحلي والإكسسوارات المرتبطة بذكراها.
كانت جدتها قد توفيت عندما كانت كوثر في الثانية عشرة من عمرها، ولم تجمعهما سنوات طويلة من العيش المشترك، غير أن تفاصيل صغيرة بقيت راسخة في ذاكرتها، من بينها الأزياء والمجوهرات وطريقة اختيار الأقمشة.
ومن هذه المقتنيات، انطلقت سلسلة فوتوغرافية حملت اسم «Izouwran»، وتعني «الجذور» باللغة الريفية، حاولت من خلالها إعادة بناء صلتها بذاكرة جدتها واستكشاف علاقتها بالموروث العائلي والثقافي.
واعتمدت الفنانة في أعمالها على القفاطين والحلي التي احتفظت بها الأسرة، كما أنجزت صوراً ذاتية استعانت في بعضها بكاميرا بولارويد كانت تخص جدتها. والمفارقة أن هذه الصور، التي تستحضر أجواء المغرب والريف، أُنجزت في بلجيكا، بعيداً عن المكان الذي تنتمي إليه جذور تلك الذاكرة.
وبذلك، لم يعد التصوير بالنسبة إلى كوثر مجرد تسجيل للمشاهد، بل وسيلة لإعادة تركيب الماضي واستحضار أشخاص وأمكنة من خلال الأشياء التي تركوها وراءهم.
ومع تطور تجربتها، اتسع اهتمام كوثر ليشمل الأزياء التقليدية والحلي والعمارة والألوان، غير أنها تسعى إلى تجاوز توظيف هذه العناصر بوصفها مجرد تفاصيل جمالية، من خلال الاهتمام بالسياقات الثقافية والتاريخية التي تمنح الرموز الأمازيغية والمغربية معناها.
وتتقاطع هذه الرؤية مع تساؤلات أوسع بشأن الهوية والانتماء، خصوصاً لدى أبناء الجيل الذي نشأ في أوروبا داخل أسر تعود أصولها إلى بلدان أخرى. ومن بين الأسئلة التي تناولتها في أعمالها: «هل أنت مغربي أم أمازيغي؟»، في إشارة إلى تعدد مستويات الهوية وإمكانية اجتماعها لدى الشخص نفسه.
كما أنجزت في مدينة مراكش سلسلة بعنوان «The Street is Ours»، وضعت فيها المرأة في قلب الفضاء العام، متناولة حضورها في الشارع، الذي غالباً ما تهيمن عليه الصور المرتبطة بالرجال.
وتكشف هذه الأعمال عن انتقال تجربتها من استعادة الذاكرة العائلية إلى معالجة قضايا التمثيل الثقافي والحضور النسائي، مع الاحتفاظ بالتصوير الفوتوغرافي وسيلةً للتعبير عن رؤيتها الخاصة.
وفي سنة 2026، شاركت كوثر أوح في معرض «Beyond the Frame: Between Here and Elsewhere»، الذي احتضنه فضاء «Het Bos» بمدينة أنتويرب البلجيكية، خلال الفترة الممتدة من 26 مارس إلى 18 أبريل، ضمن برنامج شاركت فيه مؤسسة متحف التصوير الفوتوغرافي «FOMU».
وجاءت هذه المشاركة في سياق تجربة فنية تستكشف العلاقة بين المكان والذاكرة والهوية، وهي موضوعات ظلت حاضرة في أعمالها منذ بداياتها، حين كانت تلتقط صوراً عفوية خلال رحلات الأسرة إلى المغرب.
وتعكس رحلتها، من كاميرا الطفولة إلى فضاءات العرض الفني، تحولاً في الطريقة التي تنظر بها إلى أصولها الريفية؛ إذ لم تعد هذه الأصول مجرد امتداد عائلي أو ذكرى مرتبطة بزيارات المغرب، بل أصبحت مادة فنية تستحضرها من خلال الصور والأزياء والمقتنيات والقصص المتوارثة.
وبين بروكسيل والناظور، وبين الحياة اليومية في بلجيكا والذاكرة المرتبطة بالريف، تواصل كوثر أوح بناء تجربتها الفوتوغرافية، محاولةً منح تفاصيل من تاريخ أسرتها وموروثها الثقافي مكاناً داخل المشهد الفني المعاصر.








