من سلسلة شخصيات ناظورية تعرفت عليها: الدكتور حسين بوشطروش.. طبيب وسياسي وإنسان من ذاكرة الناظور
جمال الغازي
————–
ليست كل الشخصيات التي عرفناها تبقى في الذاكرة بسبب المناصب التي تقلدتها أو المواقع التي شغلتها، فبعضها يظل حاضرا في وجداننا بسبب مواقف إنسانية لا تنسى، وبسبب لحظات صادقة تكشف معدن الإنسان وتترك أثرا يتجاوز الزمن.
ومن بين هذه الشخصيات التي احتفظت لها بذكرى خاصة، الدكتور حسين بوشطروش، الطبيب والسياسي الذي ارتبط اسمه بمدينة الناظور، والذي لم تكن معرفتي به مجرد معرفة عابرة، بل كانت لها جذور عائلية وإنسانية.
كانت لوالدي علاقة وطيدة بعائلة بوشطروش، كما كانت تربطه بالدكتور حسين علاقة طيبة. وقد جمعتهما أجواء الحياة العامة والعمل البلدي، وكان الأستاذ الحسين الفهيمي يشغل منصب النائب الأول للدكتور حسين بوشطروش في المجلس البلدي للناظور. وهي صلات جعلت اسم هذه العائلة حاضرا في محيطنا، وفتحت أمامي نافذة للتعرف على جانب من تاريخها الاجتماعي والإنساني.
غير أن أقوى ما بقي راسخا في ذاكرتي عن الدكتور حسين ليس منصبه السياسي ولا مساره المهني، بل موقف إنساني عشته في مرحلة صعبة من حياتي.
فبعد أحداث 19 يناير 1984، وجدت نفسي أمام ظروف قاسية، رافقتها صعوبات في الحصول على جواز السفر والبحث عن عمل، في مرحلة لم تكن سهلة على كثير من أبناء المنطقة. وخلال وجودي بمستشفى الحسني بالناظور، كان الدكتور حسين بوشطروش يزورني أكثر من مرة، متفقدا أحوالي في تلك الظروف العصيبة.
قد تبدو الزيارة أمرا عاديا في نظر البعض، لكنها بالنسبة إلى من يعيش المحنة تحمل معنى أعمق بكثير. فالإنسان لا ينسى من يقف إلى جانبه حين تضيق به السبل، ولا ينسى من يمنحه من وقته واهتمامه ما يشعره بأنه ليس وحده في مواجهة قسوة الظروف. ولهذا بقيت زيارات الدكتور حسين في ذاكرتي شاهدا على جانب إنساني أعتز به، وعلى أن قيمة المرء لا تختصرها مناصبه، بل تكشفها أيضا مواقفه مع الناس.
أما مهنيا، فقد كان الدكتور حسين بوشطروش من الأطباء الذين ارتبطت أسماؤهم بالمشهد الصحي في الناظور، متخصصا في أمراض وجراحة المسالك البولية، وعُرف بعيادته الواقعة بشارع يوسف بن تاشفين. وقد مثل حضوره في المجال الطبي جزءا من مسار عائلة كان للطب فيها نصيب وافر، إلى جانب التجارة والعمل العام.
وتشير شهادة ألفارو مانطون، نجل الأستاذ الإسباني خوسيه ماريا مانطون، إلى أن الدكتور حسين درس الطب بجامعة سالامانكا الإسبانية، حيث كان تلميذا للأستاذ مانطون، قبل أن تنشأ بينهما علاقة صداقة أخوية استمرت مع مرور السنين. وتحتفظ الذاكرة بصورة قديمة تجمع الرجلين في بني أنصار خلال خمسينيات القرن الماضي، أمام بنك في ايت انصار وبجوار مرائب «لا فالينسيانا». وهي صورة تتجاوز قيمتها حدود التوثيق الشخصي، لتمنحنا لمحة عن مرحلة من تاريخ المنطقة، وعن الروابط العلمية والإنسانية التي جمعت أبناء الناظور بشخصيات من خارج المغرب.
ولم يقتصر حضور الدكتور حسين بوشطروش على مهنته الطبية، بل امتد إلى تدبير الشأن المحلي. فقد تولى رئاسة المجلس البلدي للناظور في مرحلة من ثمانينيات القرن الماضي، في زمن كانت فيه المدينة تعرف تحولات اجتماعية وعمرانية، وكانت حاجات السكان تتزايد وتتطلب تدبيرا يوميا لشؤونهم ومرافقهم.
كما خاض تجربة في تسيير نادي الهلال الناظوري لكرة القدم، وهو ما يضيف بعدا آخر إلى مساره في الحياة العامة. فقد كان العمل الرياضي، ولا يزال، أحد المجالات التي تجمع أبناء المدينة حول فريقهم، وتعكس تعلقهم بهويتهم المحلية وذاكرتهم المشتركة. ومشاركة شخصيات من المجال الطبي والسياسي في تدبير الشأن الرياضي تكشف عن تداخل هذه المجالات في الحياة الاجتماعية للناظور.
سياسيا، ارتبط الدكتور حسين بوشطروش بحزب الاتحاد الدستوري، الذي تأسس سنة 1983 بقيادة المعطي بوعبيد. وانتخب نائبا برلمانيا عن دائرة الناظور، وكان اسمه ضمن فريق الحزب خلال الولاية التشريعية الممتدة من 1984 إلى 1992. وهكذا جمع في مساره بين ممارسة الطب، والمشاركة في تدبير الشأن البلدي، والعمل البرلماني، فضلا عن تجربته في المجال الرياضي.
ولا يمكن الحديث عن اسم بوشطروش في الناظور دون التوقف عند الحضور الاجتماعي والتجاري لهذه الأسرة. فقد ارتبط تاريخها بأسماء راكمت تجارب في التجارة والعمل العام، كما عرفت الأسرة حضورا في المجال الطبي من خلال عدد من أبنائها.
وتتحدث الروايات العائلية عن الحاج حادي بوشطروش، المنحدر من بني أنصار، الذي اشتغل بالتجارة والاستيراد بالجملة في مليلية، وجلب سلعا مختلفة، من بينها الشاي والألبسة والزرابي والأغطية، قبل أن تصل هذه البضائع إلى أسواق الناظور عن طريق تجار التقسيط. وتذكر هذه الروايات أن الأسرة أنجبت عددا من الأبناء، كان من بينهم أطباء، وهو ما يعكس تعدد مساراتها بين التجارة والطب والحياة العامة.
ومن المهم هنا التمييز بين الدكتور حسين بوشطروش موضوع هذا المقال، وابنه الذي يحمل الاسم نفسه ويعمل طبيبا أيضا، حتى لا تختلط المعلومات المتعلقة بجيلين مختلفين من الأسرة.
إن استحضار سيرة الدكتور حسين بوشطروش لا يعني الوقوف عند المناصب وحدها، ولا اختزال الرجل في صفته طبيبا أو سياسيا أو رئيسا للمجلس البلدي. فالسيرة الإنسانية أوسع من ذلك كله، وهي تتشكل من محطات العمل والعلاقات والمواقف التي تترك أثرها في ذاكرة الآخرين.
وبالنسبة إلي، سيظل الدكتور حسين مرتبطا قبل كل شيء بتلك الزيارات التي قام بها إلى مستشفى الحسني في مرحلة صعبة من حياتي. قد تتباين الآراء حول التجارب السياسية أو طرق تدبير الشأن العام، لكن المواقف الإنسانية الصادقة تحتفظ بمكانتها الخاصة، بعيدا عن اختلافات السياسة وتقلبات الزمن.
أكتب هذه السطور ضمن سلسلة «شخصيات ناظورية تعرفت عليها»، وفاء لذاكرة المدينة ورجالاتها، ورغبة في حفظ بعض تفاصيل تاريخها الاجتماعي والمهني والسياسي، حتى لا تبقى هذه التفاصيل حبيسة الذاكرة الفردية أو الروايات المتفرقة.
فالمدن لا تصنع ذاكرتها بالحجارة والشوارع وحدها، بل يصنعها أيضا أناس عاشوا فيها، وعملوا من أجلها، وتركوا في نفوس الآخرين أثرا يستحق أن يروى.
رحم الله من رحل منهم، وحفظ الأحياء، وجعل استحضار سيرتهم بابا للتعرف على تاريخ الناظور وذاكرتها الإنسانية.










