بقلم: سعيد قدوري
بعد أيام قليلة من إسدال الستار على الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، انشغل أغلب المتابعين بتوزيع المقاعد بين الأحزاب، وبالخرائط الانتخابية الجديدة، وبصعود هذا الحزب وتراجع ذاك، بينما مر عامل آخر ربما كان يستحق وقفة أكثر عمقا: القوة التي أصبح يمثلها “فيسبوك” في صناعة الحضور الانتخابي وتسويق المرشحين والأحزاب.
لا توجد، بطبيعة الحال، أرقام رسمية تسمح بالقول إن “فيسبوك” منح حزبا معينا عددا محددا من المقاعد، ولذلك سيكون من غير الدقيق القول إن منصة التواصل الاجتماعي “تسببت” وحدها في فوز هذا المرشح أو ذاك. لكن قراءة بعض النتائج والشخصيات التي برزت خلال الحملة الانتخابية تجعل من المشروع طرح السؤال: هل بدأنا أمام نوع جديد من الانتخابات، يستطيع فيها المرشح أن يحول حضوره الرقمي إلى أصوات انتخابية؟
أبرز الأمثلة يأتي من تحالف اليسار، الذي حصل في النهاية على 8 مقاعد بمجلس النواب. فقد اعتمد عدد من مرشحيه بشكل واضح على التواصل المباشر مع المواطنين عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وخاصة من خلال الفيديوهات والمنشورات التي تقدم المرشح ومواقفه وتشرح خطاب الحزب. وكان الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، جمال العسري، حاضرا بشكل متواصل عبر صفحته على “فيسبوك”، سواء خلال الحملة أو بعدها، وهو ما يؤكد أن المنصة تحولت بالنسبة لهذا التيار إلى فضاء أساسي للتواصل السياسي.
الأمر نفسه يمكن ملاحظته، وإن بصورة مختلفة، مع الحركة الديمقراطية الاجتماعية التي حصلت هي الأخرى على 8 مقاعد. فقد دخل مصطفى لخصم إلى الانتخابات باعتباره اسما معروفا لدى شريحة واسعة من المغاربة، ليس فقط بسبب مساره الرياضي ورئاسته لجماعة إيموزار كندر، وإنما أيضا بسبب حضوره القوي على مواقع التواصل الاجتماعي وطريقته المباشرة في مخاطبة الجمهور. ولخصم نفسه أعلن، في شريط فيديو نشره على صفحته، عن انتقاله إلى حزب “النخلة” بعد مسار سياسي سابق. كما أن الحزب نفسه قدم التحاقه باعتباره أحد الأسماء التي يمكن أن تعزز حضوره الانتخابي.
أما حزب العدالة والتنمية، فقد شكل إحدى أكبر مفاجآت انتخابات 2026 بحصوله على 54 مقعدا، محتلا المرتبة الرابعة وطنيا. ومن اللافت هنا أن الحزب، بقيادة عبد الإله بنكيران، ظل يمتلك خلال السنوات الأخيرة حضورا رقميا قويا، وكانت مواقف الأمين العام وتصريحاته تحظى بانتشار واسع على شبكات التواصل الاجتماعي. ولا يعني ذلك أن المقاعد الـ54 يمكن نسبها إلى “فيسبوك”، فهناك عوامل تنظيمية وسياسية وانتخابية أخرى، لكنه يطرح سؤالا مهما حول قدرة التواصل الرقمي على تعويض جزء من ضعف الإمكانات الإعلامية التقليدية.
وفي فاس، برز اسم ريم شباط، وكيلة لائحة الحركة الشعبية بالدائرة الشمالية، ضمن الفائزين بمقعد برلماني من أصل أربعة مقاعد مخصصة للدائرة. ومثلها مثل عدد من الوجوه الانتخابية الجديدة، كان حضورها الرقمي جزءا من طريقة بناء صورتها السياسية والتواصل مع الناخبين، في وقت أصبحت فيه مواقف السياسيين وتصريحاتهم تنتشر عبر الهواتف بشكل أسرع بكثير من الوسائل التقليدية.
ولا يمكن نسيان الشاب أسامة بريك الذي اشتهر اسمه على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال فيديوهات قصيرة، بدوره تمكن من النجاح بفضل حضوره اللافت في الإعلام البديل.
وهنا ربما تكمن النقطة التي لم تحظ بما يكفي من النقاش بعد انتخابات 23 شتنبر: فيسبوك لا يحتاج إلى ميزانية ضخمة لكي يمنح المرشح مساحة للوصول إلى الجمهور. صورة واحدة يمكن أن تنتشر، وفيديو مدته دقيقة يمكن أن يصل إلى آلاف الأشخاص، وتصريح مثير للجدل يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى مادة يتداولها المستخدمون خارج الصفحة الأصلية لصاحبها. وهكذا يصبح المرشح حاضرا في بيوت الناخبين وهواتفهم دون أن يطرق أبوابهم جميعا.
لكن قوة “فيسبوك” لا تعني أن المال والتنظيم والعمل الميداني أصبحا بلا قيمة. الانتخابات الأخيرة نفسها أظهرت استمرار تأثير الشبكات التنظيمية المحلية، والعلاقات الانتخابية، والحضور الميداني، وشخصية المرشح، والامتداد العائلي والاجتماعي، إلى جانب عوامل أخرى. كما أن انتشار منشور أو فيديو لا يعني بالضرورة تحوله إلى صوت داخل صندوق الاقتراع.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي بعد انتخابات 2026 ليس: كم مقعدا فاز به فيسبوك؟ لأن هذا الرقم لا يمكن استخراجه من النتائج الرسمية. السؤال الأهم هو: كم مرشحا كان سيصل إلى الناخبين لولا فيسبوك؟ وكم اسما كان سيبقى مجهولا خارج دائرته المحلية لولا هذا الفضاء الرقمي؟
المؤكد أن الانتخابات التشريعية الأخيرة قدمت أمثلة عديدة لمرشحين وأحزاب استطاعوا تحويل الحضور على مواقع التواصل إلى شهرة سياسية واسعة. ومع استمرار ارتفاع استعمال المغاربة للهواتف والمنصات الرقمية، يبدو أن الحملات الانتخابية المقبلة لن تكون منافسة بين الأحزاب في الشوارع والساحات فقط، بل ستكون أيضا منافسة على الشاشة الصغيرة التي يحملها الناخب في يده طوال اليوم.
وقد يكون هذا هو الدرس الذي يستحق أن تتوقف عنده الأحزاب المغربية بعد 23 شتنبر: لم يعد المرشح يحتاج فقط إلى من ينظم له تجمعا انتخابيا؛ أصبح يحتاج أيضا إلى خطاب قادر على الانتشار عندما يصل إلى هاتف الناخب.








