زايو سيتي
أعاد الجدل الذي رافق الدعوات إلى إلغاء موسم سيدي احماد أولمغني بإملشيل طرح أسئلة تتجاوز مسألة تنظيم هذه المناسبة السنوية، لتصل إلى الطريقة التي يتم بها تقديمها إعلامياً وإلى الصورة التي تصل إلى الجمهور عن أحد أبرز المواعيد المرتبطة بالذاكرة الاجتماعية والثقافية للمنطقة.
وخلال السنوات الماضية، ارتبط اسم الموسم في جزء من التغطيات الإعلامية ومقاطع الفيديو المتداولة بمشاهد الخطوبة والزواج، وبصور الشباب والشابات الذين يشاركون في هذه المناسبة، الأمر الذي ساهم في ترسيخ صورة تختزل الموسم في كونه موعداً للتعارف والارتباط.
غير أن أبناء المنطقة ومن يشتغلون على تاريخها وتراثها يرون أن الزواج لا يمثل سوى جانب واحد من جوانب الموسم، وأن تقديمه باعتباره العنوان الرئيسي للمناسبة يحجب أبعاداً أخرى مرتبطة بتاريخها ووظيفتها الاجتماعية ومكانتها الروحية والاقتصادية.
فموسم سيدي احماد أولمغني يرتبط بمقام يحمل الاسم نفسه، ويشكل مناسبة للتجمع ولقاء أبناء القبائل والدواوير المجاورة، كما ارتبط تاريخياً بالحركة التجارية وتبادل السلع والمنتجات، في سياق كانت فيه المنطقة تستعد لفصل الشتاء وما يرافقه من تساقطات ثلجية وانقطاع للمسالك وعزلة بعض الدواوير.
وتندرج الزيجات التي يتم توثيقها خلال الموسم ضمن هذا السياق الاجتماعي الأوسع. فوجود العدول خلال المناسبة كان يتيح توثيق عقود الزواج للشبان والشابات الذين سبق أن اتفقوا على الارتباط، خصوصاً في ظل بُعد مراكز التوثيق عن المنطقة. وبذلك، فإن توثيق العقود يمثل ممارسة مرتبطة بالموسم، لكنه لا يختزل بالضرورة تاريخه أو الوظائف التي اضطلع بها على مر السنين.
ويرى منتقدو بعض التغطيات أن المشكلة لا تكمن في الحديث عن الزواج أو توثيق هذه المظاهر، وإنما في جعلها الصورة الوحيدة تقريباً التي تختزل بها المناسبة أمام جمهور لا يعرف الكثير عن إملشيل وتراثها المحلي.
وتزداد الإشكالية، بحسب هؤلاء، عندما يتم التركيز على اللقطات الأكثر إثارة بصرياً، من الملابس التقليدية إلى صور الشباب والشابات، من دون تقديم السياق الذي يفسر هذه الممارسات أو يوضح دلالاتها داخل المجتمع المحلي.
فما قد يبدو للمتلقي من خارج المنطقة مجرد مشهد احتفالي أو فلكلوري، يحمل بالنسبة إلى السكان ارتباطاً بالذاكرة والعادات والعلاقات الاجتماعية المتوارثة. ولذلك فإن فصل هذه المظاهر عن سياقها قد يؤدي إلى قراءة مختلفة تماماً عن المعنى الذي تحمله بالنسبة إلى أهل المنطقة.
كما يثير هذا النوع من التناول تساؤلات حول حدود التصوير والتوثيق، خصوصاً عندما تتحول الممارسات الاجتماعية الخاصة إلى مادة للعرض على منصات التواصل الاجتماعي، من دون مراعاة كافية لخصوصية الأشخاص المشاركين فيها أو للسياق الذي تجري داخله.
وقد ساهم انتشار الصور ومقاطع الفيديو القصيرة في تعزيز هذه الصورة المختزلة، إذ غالباً ما تبحث التغطيات السريعة عن المشهد الأكثر جذباً للمشاهد، بينما تحتاج المناسبات ذات الخلفية التاريخية والثقافية إلى مساحة أكبر لشرح سياقها وتطورها ودلالاتها.
ومن هنا يبرز الفرق بين التغطية التي تهدف إلى التعريف بالموروث المحلي، وبين تلك التي تكتفي بعرض الجانب الأكثر قابلية للفرجة. فالتعريف بموسم سيدي احماد أولمغني لا يقتصر على تصوير طقوس الزواج أو الأزياء التقليدية، بل يشمل أيضاً تاريخ الموسم، وعلاقته بالمقام، ودوره في جمع سكان المنطقة، وأبعاده الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن حضور التجارة والأسواق خلال الموسم لم يكن تفصيلاً هامشياً، بل ارتبط بالحاجات اليومية لسكان المناطق الجبلية، حيث شكلت المناسبة فرصة للتزود وتبادل المنتجات قبل حلول فترة الشتاء وصعوبة التنقل بين الدواوير.
وبذلك، فإن الموسم يجمع بين أبعاد متعددة تتداخل فيها الزيارة والمعتقدات المحلية والتجمع الاجتماعي والتجارة والعادات والتقاليد، إلى جانب توثيق بعض عقود الزواج التي تتم خلال المناسبة.
ولا يعني الدفاع عن هذا التصور إنكار الطابع الاحتفالي أو الاجتماعي للزواج داخل الموسم، وإنما الدعوة إلى وضعه في حجمه الطبيعي ضمن منظومة أوسع من الممارسات والتقاليد التي تشكل هوية المناسبة.
فالطريقة التي يتم بها تقديم التراث لا تقل أهمية عن التراث نفسه، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمناطق تتميز بخصوصيات ثقافية واجتماعية قد لا تكون معروفة لدى الجمهور الواسع. ومن ثم، فإن نقل صورة مبتورة عن هذه الممارسات قد يؤثر في نظرة المتلقي إلى المنطقة وسكانها.
وفي ظل الجدل الذي رافق الموسم، يطرح النقاش الحالي سؤالاً أوسع حول مسؤولية الإعلام وصناع المحتوى في التعامل مع الموروث المحلي: هل المطلوب الاكتفاء بالمشهد الأكثر إثارة للانتباه، أم تقديم المناسبة بكل أبعادها وسياقاتها حتى يتمكن الجمهور من فهمها بعيداً عن الاختزال؟
وبالنسبة إلى منتقدي اختزال الموسم في “الخطوبة”، فإن إملشيل لا يمكن اختصارها في صور العرسان، كما أن موسم سيدي احماد أولمغني لا يمثل مناسبة للزواج فقط، وإنما جزء من ذاكرة جماعية تشكلت عبر الدين والعادات والتجارة والعلاقات الاجتماعية والموروث الثقافي.
ومن هذا المنطلق، فإن الجدل حول الموسم لا يتعلق فقط باستمراره أو إلغائه، وإنما أيضاً بكيفية الحفاظ على معناه الثقافي وتقديمه للرأي العام بصورة تعكس تعدد أبعاده، بعيداً عن اختزاله في مشاهد محددة قد تجذب الكاميرا، لكنها لا تختصر تاريخ المناسبة ولا مكانتها لدى سكان إملشيل وقبائل آيت حديدو.








