زايوسيتي
هناك رجال لا تُقاس حياتهم بسينين العمر وحدها، بل بما تركوه من أثر ، وبصمات راسخة في الذاكرة الجماعية للأجيال. والأستاذ حسن الصيبابي، ابن الناظور ورئيس جمعية أبناء الناظور بأوروبا، واحد من تلك القامات الشامخة التي قضت أزيد من نصف قرن في ديار المهجر بألمانيا، صانعاً لقصة نجاح إنساني وجمعوي استثنائي يُكتب بماء الذهب.
بين حضن الجذور ونداء المهجر
لم تكن الهجرة بالنسبة للرجل سوى محطة لتأكيد معدنه الأصيل، فقد شدّ الرحال إلى ألمانيا في مرحلة مبكرة، متسلحاً بعزيمة لا تلين وطموح جارف، فحافظ على دفء الوطن وأصالة التقاليد التي تشبع بها في ربوع الناظور . وهناك، في بيئة أوروبية مغايرة، واجه تحديات بصبر الكبار، مستنداً إلى رصيد أخلاقي صلب.
ولم يُنسِ النجاح المهني والاجتماعي “العم حسن” قضايا بني جنسه، بل جعله نقطة انطلاق حقيقية لخدمة الجالية المغربية والإسلامية، ليتحول دائماً إلى البلسم الشافي لمشاكل الوافد الجديد، والمرشد الحكيم للشباب التائه بين ثقافة الأصل وواقع المهجر.
ريادة دينية واجتماعية وجمعوية راسخة
يحفظ التاريخ بأحرف من تقدير الدور الريادي الذي لعبه حسن الصيبابي في تأطير العمل الجمعوي والديني بألمانيا، حيث كان من الأسماء البارزة التي سهرت على تأسيس وإرساء صروح دينية وثقافية راسخة، مثل “مسجد المحسنين” في عام 1982، والذي لم يكن مجرد مكان للعبادة، بل تحول بفضل رؤيته وإسهاماته إلى منارة مجتمعية جامعة، وجسراً للتواصل الحضاري والإنساني.
وباعتباره رئيساً لـ جمعية أبناء الناظور في أوروبا، واصل الأستاذ حسن توحيد الصفوف، وخلق جسور التواصل المستمر بين أبناء المنطقة في المهجر ووطنهم الأم، حاملاً همومهم، ومدافعاً عن قضاياهم، ومرسخاً لقيم التضامن والتآزر التي لا تقدر بثمن.
تكريم دولي رفيع.. تتويج لمسيرة عقود بليفركوزن
تتويجاً لهذا المسار المشرق والزاخر بالتضحيات، حظي الفاعل الجمعوي حسن الصيبابي، بتكريم رفيع المستوى من طرف “اللوحة الدولية” بمدينة ليفركوزن الألمانية، وهي الهيئة الوازنة التي كان من بين مؤسسيها الأوائل قبل أكثر من ثلاثين سنة، وذلك تقديرًا لمسيرته الطويلة في العمل التطوعي وإسهاماته الخالدة في تعزيز قيم التعايش والاندماج.
وفي كلمة له بالمناسبة، أكد الصبابي أن هذا التكريم يحمل قيمة معنوية كبيرة، باعتباره خلاصة لسنوات من العطاء المبني على الإيمان المطلق بالاحترام، والتنوع، والمشاركة الديمقراطية. وأوضح أن “اللوحة الدولية” تأسست لتكون فضاءً جامعاً لمختلف الجنسيات المقيمة بمدينة ليفركوزن، وجسراً حقيقياً للحوار والتفاهم بين الثقافات، ومدافعاً حقيقياً عن حقوق المهاجرين من خلال الانخراط الفاعل في انتخابات مجلس الاندماج ببلدية ليفركوزن. كما أشار بفخر إلى محطة ترؤسه السابق لمجلس الاندماج، وهي المسؤولية التي أدارها بروح الإخلاص لخدمة كافة مكونات المجتمع دون تمييز.
حارس الذاكرة ومدافع عن المآثر التاريخية بالناظور
ولأن الجذور تظل أعمق من أن تُنسى، فإن عطاءات الأستاذ حسن الصيبابي لم تتوقف عند حدود المهجر، بل امتدت ببصمات مشرقة وراسخة في تراب إقليم الناظور. فقد عُرف بمرافعاته المستميتة والدؤوبة دفاعاً عن الذاكرة الجماعية للناظور ومآثرها التاريخية، حاملاً هموم حماية التراث العمراني ورد الاعتبار لتاريخ المنطقة وثقافتها الأصيلة ضد النسيان. وتجسد ذلك في العديد من المحطات الوازنة، من ضمنها جلساته ولقاءاته التواصلية مع عامل الإقليم، حيث كان صوتاً قوياً ومسؤولاً ينقل نبض أبناء المهجر وتطلعاتهم التنموية، مؤكداً على أهمية صيانة الذاكرة المحلية وإشراك الكفاءات المقيمة بالخارج في مسار البناء والتعريف بالتاريخ العريق للمنطقة.
صوت شجاع ودفاع مستميت عن كرامة الجالية
عُرف الرجل كذلك بصوته الصادق وشجاعته المعهودة في الدفاع عن حقوق المغاربة المقيمين بالخارج؛ حيث توجّه بالعديد من المراسلات والمطالب الرسمية للجهات المسؤولة، منتقداً بجرأة أشكال الإقصاء والتحديات التي تواجه أبناء الجالية. كما تميز بغيرته الشديدة على كرامة المواطنين، متصدياً للعديد من الشكاوى الخدمية المتعلقة بظروف الاستقبال وخدمات المرافق الحيوية – كغيرته المعهودة على أوضاع ومعاملة المسافرين في مطار العروي الدولي.
بالنسبة لكل من عرفه عن قرب، لم يكن حسن الصيبابي مجرد مغترب عابر، بل هو الرجل الذي تجتمع فيه خصال النبل، والكرم، والشهامة، والغيرة الصادقة. ظل قلبه ينبض بحب الناظور، تجمعه بأهلها أواصر المحبة الخالصة والوفاء الدائم.
إن مسيرة امتدت لأزيد من نصف قرن من العمل الصامت والمثمر، والتضحية في سبيل الآخرين، تجعل من الأستاذ حسن الصيبابي نموذجاً حياً للرجل العصامي الذي رفع اسم المغرب عالياً بأخلاقه وأفعاله.
حفظ الله الأستاذ حسن الصيبابي، ومتّعه بموفور الصحة والعافية وطول العمر، ليظل دائماً المنارة المضيئة والسند المتين لكل أبناء الوطن، داخل الوطن وخارجه.
















