مصطفى الوردي
حين ترتبط الأرواح بالمكان، تصبح التضحية عقيدة لا تقبل المساومة؛ وحين يتعلق الأمر بمدينة زايو، مسقط الرأس ونبض الذاكرة، فإن أبناءها يظللونها بالوفاء مستعدين ليكونوا دروعاً بشرية لكل من يضع مصلحتها ونماءها نصب عينه أولاً وقبل كل شيء. إنها مدينة تختزل في تفاصيلها عبق التاريخ وجغرافية الأمل، لكنها تظل رهينة مفارقات تنموية صارخة تنتظر التفاتة حقيقية تنتشلها من ركود طال أمده، وتستعيد من خلالها بريقها المفقود كواحدة من أهم حواضر المنطقة الشرقية.
تتربع مدينة زايو على موقع استراتيجي بالغ الأهمية، باعتبارها هبة سهل صبرة المعطاء. تشكل هذه المنطقة لوحة طبيعية ساحرة، فهي مطلة بشموخ على ضفاف نهر ملوية، وتحتضنها جبال رواسي شامخة وعيون طبيعية مباركة تتدفق بالحياة. أرض صبرة الغناء، التي طالما عُرفت ببرتقالها الحلو وجودة تربتها الزراعية الخصبة، تخفي خلف جمالها الأخاذ قصة إحساس عميق بالغبن؛ فمدينة بهذه المقومات والقريب إشعاعها من حاضرة الناظور ومن مشروع “الناظور غرب المتوسط” الضخم، لم تنل حظها المنشود من التنمية، تترقب مسؤولا يكشف عن جمالها المدفون أو يعيد الاعتبار لبنيتها التحتية المتهرئة.
الناظر إلى واقع المدينة اليوم يلمس بحرقة كيف يعبس الجمود في ملامحها وتفاصيل يومياتها؛ فباستثناء معمل السكر وخيرات سهل صبرة ، توقفت عجلة التنمية الحقيقية منذ عقود. وما يعمق جراح هذه المدينة هو تلك المفارقة المؤلمة المتمثلة في المنطقة الصناعية التي تتربع على مساحة 500 هكتار والمحفظة منذ نحو 15 سنة، دون أن تنال نصيبها من قطار التنمية أو تستقطب الاستثمارات المرجوة لتشغيل شباب المنطقة، وإلى جانب ذلك، تتخبط المدينة في أزمة عقارية خانقة بسبب الرسم الخليفي، ووجود أحياء بكاملها غير محفظة، وهو ما يعيق المبادرات الفردية والجماعية للاستثمار والبناء، ونظراً لتواجد سهل صبرة الزراعي الغني، فإن الحاجة باتت ملحة وعاجلة اليوم لإحداث سوق جملة يرتقي بالبنية الاقتصادية والتجارية للمدينة ويخلص الفلاحين والمنتجين من تبعات التهميش والتسويق العشوائي.
هذا الركود التنموي وغياب فرص الشغل والآفاق المستقبلية لم يترك للشباب خياراً سوى ركوب قوارب الهجرة ومغادرة الوطن نحو ديار المهجر في أوروبا، باحثين عن كرامة ضاعت بين ركام الوعود الكاذبة، لتفرغ المدينة تدريجياً من طاقاتهم الحية. إن إخراج زايو من دائرة التهميش التاريخي لم يعد رفاهية، بل هو ضرورة ملحة تتطلب تفعيل المنطقة الصناعية وتوجيه الدعم الحكومي لاستقطاب المستثمرين نحو مساحتها الشاسعة، وتسوية وضعية الأحياء غير المحفظة وإيجاد حلول جذرية لعقدة الرسم الخليفي لتحريك عجلة الاقتصاد العمراني، وإحداث سوق إقليمي للجملة يثمن المنتوجات الفلاحية لسهل صبرة، فضلاً عن ربط استراتيجيات التنمية بالدينامية الإقليمية للناظور والميناء المتوسطي لتحويل زايو إلى قطب اقتصادي وواحة استثمارية واعدة.
من قلب هذه الأرض الطيبة المفعمة بالأمل، نرفع رسالة مدوية وصارخة إلى كل ضمير حي ولكل مسؤول يهمه أمر هذا الوطن: زايو ليست مجرد نقطة باهتة على خريطة الهامش، بل هي تاريخ عريق وهوية وكرامة لا تقدر بثمن. إنها تستحق التفاتة حقيقية تخرجها من جب التهميش، وتستثمر مؤهلاتها الكبرى لتعيد الببسمة والأمل لأبنائها الأوفياء، الذين سيبقون دائماً الحصن المنيع والدروع البشرية المدافعة عن ترابها الطاهر وعزتها.








