بقلم: سعيد قدوري
لم تكن الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر بالناظور مجرد سباق بين الأحزاب والمرشحين على المقاعد البرلمانية، بل كشفت، من خلال نسبة المشاركة التي لم تتجاوز حوالي 24 في المائة من المسجلين، عن أزمة أعمق تستحق النقاش: علاقة المواطن بالمؤسسة المنتخبة، وحدود تأثيرها في تدبير الشأن المحلي، في ظل حضور متزايد للعامل والإدارة الترابية في مختلف الملفات التي تهم الإقليم.
ثلاثة أرباع المسجلين تقريبا لم يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع. وهذا رقم لا يمكن اختزاله بسهولة في عبارة “العزوف الانتخابي”، أو تفسيره فقط بفتور اهتمام المواطنين بالسياسة والأحزاب.
فالناخب لا يعيش الانتخابات فقط في يوم الاقتراع. إنه يعيشها طوال الولاية الانتخابية، من خلال ما يراه ويسمعه ويتابعه في مدينته وإقليمه.
وهنا تبرز مسألة تستحق النقاش بصراحة: هل أصبح المواطن في الناظور يرى العامل والإدارة الترابية في موقع الفاعل الأكثر حضورا في تدبير الملفات والمشاريع، بينما تبدو المؤسسة المنتخبة أقل تأثيرا في حياته اليومية؟
خلال السنوات الماضية، برز حضور العامل في المشهد المحلي بشكل واضح، من خلال الاجتماعات والزيارات الميدانية وتتبع المشاريع ومواكبة الأوراش والاستثمارات والتدخل في عدد من الملفات التي تستأثر باهتمام الرأي العام.
وهذا الحضور الإداري، مهما اختلفت المواقف بشأنه، أصبح جزءا من الصورة التي يراها المواطن يوميا. في المقابل، لم ينجح المنتخبون دائما في الحفاظ على الصورة نفسها من حيث الحضور والتأثير والتواصل مع المواطنين.
وهنا تظهر المفارقة التي ينبغي التوقف عندها؛ نطلب من المواطن يوم الاقتراع أن يذهب إلى الصندوق، وأن يختار ممثليه، وأن يؤمن بأن هؤلاء المنتخبين قادرون على الدفاع عن مصالحه والتأثير في السياسات والقرارات.
لكن المواطن قد يسأل ببساطة: أين يظهر هذا التأثير في حياتي اليومية؟.. فإذا كان العامل يظهر في الملفات الكبرى، والإدارة تتحرك في المشاريع والأوراش، والقرارات الإدارية تحضر بقوة في المشهد المحلي، بينما لا يرى المواطن المنتخب إلا في المناسبات أو خلال الحملات الانتخابية، فمن الطبيعي أن تطرح مسألة جدوى التصويت نفسها.
ولا يعني هذا بالضرورة أن المنتخب لا يقوم بدوره، أو أن الإدارة تحل محل المؤسسات المنتخبة، وإنما يتعلق الأمر بالصورة التي يمكن أن تتشكل لدى المواطن من خلال ما يراه على أرض الواقع.
فالسياسة لا تقاس فقط بالصلاحيات القانونية، وإنما أيضا بالصورة التي تتكون لدى المواطن عن صاحب القرار وعن الجهة القادرة على التأثير.
ومن هنا يمكن فهم جانب من المفارقة التي كشفت عنها انتخابات 23 شتنبر. ففي الوقت الذي تتسابق فيه الأحزاب والمرشحون خلال الحملة الانتخابية لإقناع المواطنين بأن أصواتهم قادرة على صناعة التغيير، قد يكون جزء من هؤلاء المواطنين قد أمضى سنوات وهو يرى أن صناعة القرار المحلي تتم أساسا في أماكن أخرى.
وهنا لا يعود السؤال فقط: لماذا لم يصوت المواطن؟ بل يصبح السؤال: هل نجحنا أصلا في إقناعه بأن صوته هو الأداة التي يمكن أن تغير شيئا؟.. الأمر نفسه ينطبق على التنمية.
فالناظور لا يعاني من نقص في الخطاب حول التنمية. هناك اجتماعات وزيارات ولقاءات واتفاقيات وأوراش ومشاريع ودينامية يتم الحديث عنها باستمرار. لكن المواطن يريد في النهاية أن يرى النتيجة.
المواطن يريد مشروعا يكتمل، واستثمارا يستقر، وفرص شغل تظهر، وإدارة تساعد على تسريع المساطر، وخدمات عمومية أفضل، وإقليما يستفيد فعليا من مؤهلاته الاقتصادية والجغرافية.
والمستثمر بدوره لا يستطيع أن يبني مشروعا بالبلاغات، ولا أن يشغل العمال بالصور الملتقطة خلال الاجتماعات. إنه يحتاج إلى وضوح، ومساطر فعالة، ومواكبة، وقرارات في الوقت المناسب.
لذلك فإن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بحجم النشاط المؤسساتي الذي يظهر في المشهد العام، وإنما بما يتركه هذا النشاط من أثر ملموس لدى المواطن والمقاولة والمستثمر.
ومن هذه الزاوية، فإن نسبة المشاركة في انتخابات الناظور ليست مجرد رقم انتخابي. إنها إشارة تستحق أن تقرأ بهدوء. فالمنتخبون والأحزاب مطالبون بمراجعة علاقتهم بالمواطن، كما أن الإدارة، بما لها من حضور وتأثير في تدبير الشأن المحلي، مطالبة بالحفاظ على المكانة الفعلية للمؤسسات المنتخبة وأدوارها في الحياة الديمقراطية المحلية.
إن قوة الإدارة لا ينبغي أن تفهم باعتبارها ضعفا للمنتخب، كما أن قوة المنتخب لا تعني بالضرورة إضعاف الإدارة. فالمطلوب هو أن يعرف المواطن من يفعل ماذا، وأن يشعر بأن المؤسسات التي يصوت عليها تمتلك دورا حقيقيا، وأن صوته لا يتحول إلى ورقة تستعمل مرة كل عدة سنوات ثم تنسى.
الـ24 في المائة، بهذا المعنى، ليست فقط نسبة مشاركة ضعيفة. إنها رسالة سياسية ومجتمعية تستحق التوقف عندها. فحين يبتعد أغلب الناخبين عن الصندوق، لا يكفي أن نسألهم لماذا لم يصوتوا، بل ينبغي أيضا أن نسأل المؤسسات والأحزاب والمنتخبين والإدارة: ماذا فعلنا خلال السنوات السابقة حتى يبقى المواطن مقتنعا بأن التصويت يستحق أن يخرج من أجله؟
وفي النهاية، قد يكون أخطر ما كشفته انتخابات الناظور ليس من فاز ومن خسر، وإنما حجم المسافة التي أصبحت تفصل المواطن عن الصندوق.
وإذا كان المواطن يرى العامل والإدارة حاضرين بقوة في المشهد اليومي، بينما لا يرى بالوضوح نفسه أثر المنتخب، فإن إعادة الاعتبار للمؤسسة المنتخبة لن تبدأ بخطاب انتخابي جديد، بل بإقناع المواطن، بالفعل والممارسة، بأن صوته لا يذهب إلى صندوق فقط، وإنما إلى مؤسسة قادرة على التأثير في حياته وفي مستقبل إقليمه.








