بقلم: صلاح الدين بوشلاغم
أفرزت الانتخابات التشريعية الأخيرة في زايو وأولاد ستوت نتائج تستحق قراءة تتجاوز السؤال التقليدي: من فاز ومن خسر؟ فالأرقام التي خرجت من صناديق الاقتراع لا تعيد فقط ترتيب بعض القوى السياسية، بل تطرح أسئلة أعمق حول علاقة الناخب المحلي بالأحزاب والفاعلين السياسيين، وحول الطريقة التي ما زال البعض يقرأ بها الخريطة الانتخابية للمنطقة.
وقد عاد هذا النقاش إلى الواجهة بعد أن قُدّمت زايو، في خطاب سياسي محلي، باعتبارها مدينة «استقلالية». وهي عبارة تستحق التوقف عندها، ليس من باب السجال مع قائلها، وإنما لأنها تعكس تصوراً سياسياً أوسع يقوم على اعتبار بعض المدن والجماعات معاقل ثابتة لهذا الحزب أو ذاك.
ولا يجوز وصف زايو بصيغة التملك لحزب، احتراماً لساكنتها ولوعيها السياسي، ولا ينبغي اختزالها في أي لون سياسي. زايو لأهلها، وأصوات أهلها ليست ملكية سياسية مكتسبة، ولا إرثاً عائلياً ينتقل من جيل إلى آخر، ولا رصيداً يحمله السياسي معه كلما غيّر عنوانه الحزبي. فالناخب ليس تابعاً لأحد، وصوته موقف واختيار يتجددان في كل استحقاق، وليس تفويضاً دائماً يمنح مرة واحدة ثم يبقى مضموناً إلى الأبد.
ولعل نتائج الاقتراع الأخير تذكّر بالبيت الشهير: «وكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى، وليلى لا تُقِرُّ لهم بذاكا».
ثم إن توصيف مدينة كاملة بلون حزبي واحد لا يصمد كثيراً حتى أمام الأرقام. يبلغ عدد سكان جماعة زايو، وفق الإحصاء العام لسنة 2024، 36,766 نسمة، بينما لم تتجاوز نسبة المشاركة في اقتراع 23 شتنبر 27.05 في المائة من المسجلين في اللوائح الانتخابية. وهذا يعني، قبل الحديث عن نتائج أي حزب، أن جزءاً فقط من الجسم الانتخابي المسجل هو الذي عبر عن اختياره عبر صناديق الاقتراع، ثم إن أصوات المشاركين أنفسهم توزعت بين لوائح سياسية متعددة.
فكيف يمكن، منطقياً وحسابياً، أن ننسب مدينة كاملة إلى حزب واحد؟
لا يتعلق الأمر هنا بالتقليل من قيمة من شارك أو من الأصوات التي حصل عليها أي حزب، فكل صوت انتخابي له قيمته السياسية الكاملة، وإنما برفض تحويل نتيجة انتخابية جزئية ومتغيرة بطبيعتها إلى صك ملكية سياسية لمدينة بأكملها.
والانتخابات الأخيرة قدمت دليلاً إضافياً على ذلك.
فالمشهد المحلي عرف قبل الاقتراع نقاشات حول التزكيات، وخلافات داخل بعض الأحزاب، وانتقالات سياسية من حزب إلى آخر، كما دخلت المنطقة الانتخابات في سياق جديد بعد عدم ترشح محمد الطيبي للانتخابات التشريعية. وقد افترضت بعض القراءات، بشكل أو بآخر، أن جزءاً من الكتل الانتخابية سيبقى ثابتاً، وأن الأسماء والعلاقات والعائلات قادرة على الاحتفاظ بالأصوات أو نقلها من عنوان حزبي إلى آخر.
لكن الصندوق أظهر خريطة أكثر تعقيداً.
فالانتقال من حزب إلى آخر حق سياسي لا جدال فيه، ومن حق أي فاعل أن يراجع اختياراته وقناعاته. لكن الانتقال السياسي لشخص لا يعني انتقال ناخبيه معه بصورة آلية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالانتقال إلى حزب مختلف في مرجعيته وخطابه وطريقة اشتغاله. فالناخب الذي اختار شخصاً بالأمس داخل مشروع سياسي معين ليس ملزماً بأن يختاره غداً داخل مشروع آخر.
وهنا تظهر أهمية نتائج 23 شتنبر. فقد حل حزب العدالة والتنمية ثالثاً في زايو بـ522 صوتاً، وثانياً في أولاد ستوت بـ282 صوتاً. لا تمنح هذه الأرقام الحزب حق ادعاء ملكية أي من الجماعتين، كما لا تمنح هذا الحق لغيره، لكنها تمنحه موقعاً رقمياً واضحاً داخل الخريطة السياسية المحلية، لا يستقيم أي تحليل جاد بتجاهله.
والأهم من الترتيب نفسه هو السياق الذي تحققت فيه هذه النتيجة. فالحملة التي خاضها الحزب كانت محدودة الإمكانات، ولم تكن قادرة على الوصول بالقدر نفسه إلى جميع المناطق، وخاصة بعض المجالات القروية في أولاد ستوت. ومع ذلك، حصل الحزب على أصوات حتى في مناطق كان حضوره الانتخابي الميداني فيها محدوداً.
ولا تسمح لنا الأرقام وحدها بأن نتحدث باسم هؤلاء الناخبين أو أن نجزم بالدوافع التي جعلتهم يصوتون بهذا الشكل. لكنها تسمح لنا باستخلاص أمر أبسط: الناخب ليس كتلة صماء تتحرك حيث يريد لها الفاعل السياسي أن تتحرك.
وفي مقابل التنقلات الحزبية والصراعات حول التزكيات والأسماء، هناك أيضاً من خاض الانتخابات محافظاً على هويته السياسية وخطابه وطريقة اشتغاله، ولم يطلب من الناخب أن يغير قميصه و أن يتبعه من مرجعية إلى أخرى، وإنما تقدم إليه بما يمثله وترك له حرية الاختيار.
وهذا، في تقديري، جزء من احترام صوت المواطن.
ليس احترام الناخب أن نفترض مسبقاً أنه معنا، بل أن نشرح له من نحن، وماذا نقترح، ثم نقبل حكمه، سواء منحنا صوته أو منحه لغيرنا.
أما نسبة المشاركة التي لم تتجاوز 27.05 في المائة، فلا يجوز أن ننسب العزوف إلى عامل واحد دون دراسة علمية لسلوك الناخبين. لكنها تفرض سؤالاً سياسياً مشروعاً: هل ساهمت الممارسات التي تختزل السياسة في التزكيات والأسماء والعلاقات العائلية والتنقل بين الأحزاب في إضعاف ثقة بعض المواطنين في جدوى المشاركة؟
إنه سؤال، وليس حكماً جاهزاً. لكنه سؤال ينبغي أن تطرحه الأحزاب على نفسها قبل أن تبحث عن المسؤولية في الناخب.
فالسياسة لا يمكن أن تختزل في معرفة من يحمل الاسم العائلي الأقوى، ومن حصل على التزكية، ومن غادر حزباً ليلتحق بآخر، ومن يستطيع أن يأخذ معه أكبر عدد من الأنصار. لأن السؤال الذي يفترض أن يسبق كل ذلك هو: ماذا قدمنا للمواطن حتى نطلب منه صوته؟
ولعل هذا هو الدرس الأهم في نتائج 23 شتنبر.
الناخب في زايو وأولاد ستوت قادر على الاختيار، وقادر على تغيير اختياره، وقادر على معاقبة من لا يقنعه، كما أنه قادر على الامتناع عن المشاركة أصلاً. والتاريخ السياسي، والاسم العائلي، والانتماء الحزبي، كلها عناصر قد يكون لها تأثيرها، لكنها لا تمنح أحداً شيكاً انتخابياً على بياض.
ولا تعني نتائج التشريعيات أنها تحدد مسبقاً ما سيحدث في الانتخابات الجماعية المقبلة، فلكل استحقاق منطقه ومرشحوه وسياقه. لكنها تقدم رسالة واضحة لكل من يستعد للمحطة المقبلة: لا أحد ينبغي أن يعتبر أصوات الناس مضمونة سلفاً.
من يريد أصوات أهل زايو وأولاد ستوت عليه أن يعمل من أجلها، وأن يؤطر ويقنع ويحضر بين الناس، وأن يقدم مشروعاً سياسياً واضحاً، وأن يحترم حق المواطن في أن يقول نعم كما يحترم حقه في أن يقول لا.
لذلك فإن ما حدث لا ينبغي أن يقرأ باعتباره نهاية حزب أو بداية هيمنة حزب آخر. تلك قراءة متسرعة لا تسمح بها الأرقام.
ما تسمح به الأرقام هو شيء أكثر أهمية:
زايو ليست استقلالية، وليست عدالية، وليست حركية… زايو لأهلها.
وأصوات أهلها لا توجد في جيب أحد.







