بقلم – فريد العلالي
تعيش مدينة زايو، في كل موعد انتخابي، مشهدا يعيد نفسه بشكل لافت، مرشحون يجوبون الشوارع والأحياء، لقاءات وتجمعات انتخابية، ووعود تضع قضايا المدينة وساكنتها في صدارة الخطاب، بينما تعود الأسئلة نفسها إلى الواجهة مع مرور السنوات حول واقع البنية التحتية والخدمات الأساسية وفرص الشباب ومكانة المدينة ضمن أولويات السياسات العمومية.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، عادت الحركة السياسية إلى شوارع زايو، وبرز حضور المرشحين في عدد من الفضاءات والأحياء، في محاولة لاستمالة الناخبين والتعريف بالبرامج واللوائح الانتخابية، وقد شهدت المدينة، خلال هذه الحملة، لقاءات انتخابية شاركت فيها أحزاب ومرشحون قدموا وعودا وشعارات مرتبطة بالتنمية والدفاع عن المصالح المحلية.
غير أن هذا الحضور الانتخابي المكثف يطرح سؤالا أوسع لدى جزء من ساكنة المدينة: لماذا تصبح أحياء زايو وشوارعها ومطالب سكانها حاضرة بقوة عندما تقترب صناديق الاقتراع، بينما تستمر مجموعة من الإشكالات نفسها لسنوات دون حلول نهائية؟
فمشاكل الإنارة العمومية، على سبيل المثال، ليست وليدة الموسم الانتخابي الحالي، فقد سبق أن عبرت ساكنة عدة أحياء عن استيائها من ضعف أو انعدام الإنارة ، وانقطاع الإنارة العمومية في عدد من الشوارع والأزقة، وسط مطالب بالتدخل وإعادة الأضواء إلى المناطق المتضررة.
ولا تتوقف المطالب عند الإنارة، إذ ظلت وضعية عدد من الطرق والأرصفة وشبكات التطهير والمرافق العمومية محل نقاش محلي متواصل، حيث وصل ملف بعض المرافق العمومية بمدينة زايو إلى البرلمان من خلال سؤال كتابي حول ما وصفته الوثيقة باختلالات ونقائص محتملة في عدد من مشاريع البنية التحتية والمرافق، وهو ما يعكس أن جزءا من هذه الملفات تجاوز النقاش المحلي إلى المؤسسة التشريعية.
وبالنسبة إلى سكان زايو، فإن القضية لا تختزل في مصباح معطل أو شارع يحتاج إلى الإصلاح، وإنما ترتبط بصورة أوسع بمدى قدرة المدينة على توفير مقومات العيش الكريم لسكانها، فحين يضطر المواطن إلى تكرار المطالبة بالإنارة، وإصلاح الطرق والأرصفة، وتحسين الخدمات، وتوفير فضاءات للشباب، فإن السؤال يصبح مرتبطا بمدى وجود رؤية تنموية متكاملة للمدينة وليس فقط بتدبير أعطاب متفرقة.
وتبرز فئة الشباب بشكل خاص ضمن الملفات التي تحتاج إلى حضور أكبر في النقاش المحلي، فمدينة زايو، مثل العديد من المدن المتوسطة، تحتاج إلى فتح المجال أمام الشباب للمشاركة في تدبير الشأن العام، ليس فقط باعتبارهم كتلة انتخابية تستهدفها الحملات، وإنما باعتبارهم قوة اجتماعية قادرة على اقتراح الحلول والمساهمة في صياغة الأولويات المحلية.
فالانتخابات، في جوهرها، لا ينبغي أن تكون مجرد موسم للصور والزيارات واللقاءات، بل فرصة لعرض برامج واضحة وقابلة للقياس، وتقديم إجابات دقيقة عن الأسئلة التي تهم السكان: ماذا سيحدث للطرق المتدهورة؟ ماذا عن الأحياء التي تعاني من ضعف الإنارة؟ ما مصير الفضاءات المخصصة للشباب؟ وما هي المشاريع التي يمكن أن تخلق فرصا حقيقية أمام أبناء المدينة؟ وكيف يمكن إعادة الاعتبار للمرافق والخدمات العمومية؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة في ظل استمرار النقاش حول وضعية المدينة مقارنة بمحيطها، فقد سبق أن تناولت تقارير صحفية وضعية البنية التحتية في زايو، مشيرة إلى تآكل عدد من الأزقة وضعف الإنارة وغياب بعض فضاءات القرب والمساحات الخضراء، إضافة إلى مشاكل مرتبطة بشبكة التطهير.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال مسؤولية التنمية في المنتخبين المحليين وحدهم، بالنظر إلى تداخل اختصاصات الجماعة مع مؤسسات ومصالح إدارية وقطاعية أخرى. لكن ذلك لا يلغي أهمية الدور السياسي والتمثيلي للمنتخبين في الدفاع عن قضايا المدينة، ومتابعة المشاريع، والتواصل المستمر مع السكان، وتقديم حصيلة واضحة عما تحقق وما تعذر إنجازه وأسباب ذلك.
المشكلة التي يطرحها عدد من أبناء زايو، إذن، لا تتعلق بظهور المرشحين في الشوارع خلال الحملة الانتخابية؛ فهذا جزء طبيعي من العملية الانتخابية، وإنما تتعلق باستمرارية هذا الحضور بعد انتهاء الانتخابات.
فالساكنة لا تحتاج إلى من يطرق أبوابها فقط عندما يقترب موعد التصويت، وإنما تحتاج إلى منتخب يظل حاضرا عندما تكون الإنارة منطفئة، والطريق متضررة، والحي في حاجة إلى خدمات، والشباب يبحث عن فضاء أو فرصة، والمواطن يريد أن يعرف أين وصلت الوعود التي سمعها خلال الحملة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق “موسم الانتخابات” إلى منطق “المساءلة المستمرة”، بحيث تصبح علاقة المنتخب بالمدينة قائمة على برنامج واضح وحصيلة قابلة للنقاش، وليس فقط على الظهور خلال الأسابيع التي تسبق الاقتراع.
زايو ليست مجرد شوارع تجوبها الحملات الانتخابية، ولا مجرد أصوات تُطلب في يوم الاقتراع، إنها مدينة يعيش فيها مواطنون منذ سنوات وهم يطالبون بخدمات وبنية تحتية أفضل، وشباب يريد أن يكون جزءا من صناعة القرار، وأحياء تنتظر معالجة اختلالات أصبحت جزءا من النقاش اليومي.
وبينما تتنافس الأحزاب واللوائح على أصوات الناخبين، يبقى السؤال الأهم مطروحا أمام الجميع: هل تتحول الوعود الانتخابية هذه المرة إلى التزامات واضحة وحصيلة يمكن للساكنة أن تحاسب عليها بعد انتهاء الانتخابات؟
ذلك أن قيمة الحضور السياسي في زايو لا تقاس بعدد الجولات الانتخابية في شوارع المدينة، وإنما بمدى استمرار الاهتمام بها عندما تُغلق صناديق الاقتراع وتنتهي الحملة وتبدأ مرحلة العمل.








