زايو سيتي
وجدت أجهزة الاستخبارات والأمن الإسبانية نفسها أمام سلسلة من الملفات الحساسة التي أعادت النقاش حول قدرتها على حماية المعلومات السرية والتعامل مع مخاطر التجسس، بعدما كشفت قضية مرتبطة بضابط في البحرية يعمل ضمن بنية تابعة لحلف شمال الأطلسي عن اتصالات وعلاقات أثارت مخاوف أمنية، بالتزامن مع استمرار الجدل حول أزمة سبتة وملف برنامج «بيغاسوس».
وتعود إحدى أبرز القضايا إلى ضابط في البحرية الإسبانية كان يعمل في مركز القيادة البحرية للحلفاء في نورثوود بالمملكة المتحدة، وهي المؤسسة التي تتولى تنسيق عدد من العمليات البحرية الحساسة داخل الناتو، بما فيها مراقبة التحركات البحرية الروسية.
وبحسب صحيفة «The Objective» الإسبانية، بدأت أجهزة مكافحة التجسس تدقق في وضع الضابط بعدما اصطحب شريكته البريطانية ذات الأصول البولندية إلى مناسبة داخل منشآت تابعة للحلف، قبل أن تثير خلفيتها اهتمام الأجهزة الأمنية الإسبانية وأجهزة الناتو.
وأشارت المعطيات نفسها إلى أن المرأة أقرت بإجراء اتصالات مع شخص يُشتبه في ارتباطه بجهاز الأمن الفيدرالي الروسي، إلى جانب علاقات مهنية مع أشخاص مرتبطين بسفارات أجنبية. ورغم ذلك، لم تتمكن الأجهزة الأمنية، وفق التقرير، من إثبات قيامها بأعمال تجسس لصالح موسكو.
وتشير مصادر في وزارة الدفاع الإسبانية، بحسب المصدر ذاته، إلى أن هذه القضية ليست معزولة، إذ تعاملت أجهزة مكافحة التجسس العسكري خلال السنوات الماضية مع ملفات أخرى أدت إلى سحب تصاريح أمنية من عسكريين أو إبعادهم عن مناصب دولية بسبب علاقات اعتُبرت مصدر خطر محتمل.
ومن بين الحالات التي ظهرت إلى العلن ملف رقيب في البحرية الإسبانية متخصص في الحرب الإلكترونية، كان يعمل على متن الغواصة «Galerna»، قبل أن يسحب المركز الوطني للاستخبارات الإسباني تصريحه الأمني، بعدما تبين أنه أخفى زواجه من مواطنة روسية وحصوله على الجنسية الروسية.
وتضاعفت حساسية الملف بسبب طبيعة عمل العسكري، الذي كان يملك إمكانية الوصول إلى معلومات مصنفة «سرية» ووثائق تابعة للناتو والاتحاد الأوروبي. كما أخذت السلطات بعين الاعتبار نشاطه على مواقع التواصل الاجتماعي وإظهاره بشكل واضح انتماءه إلى القوات المسلحة الإسبانية.
وخلصت الاستخبارات الإسبانية إلى أن اجتماع هذه العناصر قد يجعله هدفاً محتملاً لمحاولات استقطاب من أجهزة استخبارات أجنبية، خصوصاً بالنظر إلى تخصصه في الحرب الإلكترونية ومعرفته بقدرات وحدته وتجهيزاتها.
وفي فبراير 2025، قررت مديرة المركز الوطني للاستخبارات، إسبيرانسا كاستيلييرو، سحب عدد من تصاريحه الأمنية، قبل أن يلجأ العسكري إلى القضاء للطعن في القرار، لكن المحاكم الإدارية الإسبانية رفضت طعونه، مع استمرار المسار القضائي أمام المحكمة العليا.
ولا ينفصل هذا الملف عن نقاش أوسع حول أداء المنظومة الأمنية الإسبانية، خصوصاً بعد الأحداث التي شهدتها سبتة، والتي كشفت عن تباينات بين الشرطة الوطنية والحرس المدني والاستخبارات المدنية والعسكرية بشأن التحذيرات والمعطيات التي كانت متوفرة قبل الأزمة.
وأدى اختلاف الروايات بين المؤسسات إلى انتقال الملف من المجال الأمني إلى السجال السياسي، حيث تبادلت أطراف إسبانية اتهامات بشأن طريقة التعامل مع التحذيرات الأمنية، وتدبير المعلومات، ومدى التنسيق بين الأجهزة المعنية.
وفي السياق ذاته، عاد برنامج التجسس «بيغاسوس» إلى واجهة النقاش، بعدما ظل المغرب حاضراً في جزء من الجدل الإسباني حول اختراق هواتف رئيس الحكومة بيدرو سانشيز ومسؤولين آخرين.
غير أن التحقيقات القضائية المعروفة، وفق التقرير، لم تثبت بشكل حاسم أن المغرب يقف وراء عمليات اختراق هواتف أعضاء الحكومة الإسبانية، كما أن تقرير لجنة «PEGA» التابعة للبرلمان الأوروبي لم يحسم هذه الفرضية باعتبارها واقعة مثبتة.
في المقابل، أصبحت عمليات استخدام «بيغاسوس» من طرف أجهزة الاستخبارات الإسبانية نفسها موثقة في ملفات رسمية وقضائية، بعدما أقرت السلطات باستخدام البرنامج لمراقبة شخصيات مرتبطة بالحركة الانفصالية في كتالونيا، وذلك في عمليات قالت السلطات إنها تمت بإذن قضائي.
ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذا الملف رئيس حكومة كتالونيا السابق بيري أراغونيس، بينما كشفت الحكومة الإسبانية في يوليوز 2026 عن اعتراض اتصالات نائبين سابقين عن حزب «CUP»، هما دافيد فيرنانديث وكارليس رييرا، بإذن قضائي.
وتطرح هذه الملفات مجتمعة أسئلة تتجاوز قضية التجسس الخارجي، لتصل إلى آليات حماية المعلومات داخل المؤسسات الإسبانية، ومدى فعالية إجراءات الرقابة الأمنية، وكيفية تداول المعطيات الحساسة بين الأجهزة، خصوصاً تلك المرتبطة بالتزامات إسبانيا داخل حلف الناتو والاتحاد الأوروبي.
وبين قضية الضابط العامل في محيط الناتو، وملفات العسكريين المرتبطين بمواطنين روس، والتباينات التي برزت عقب أزمة سبتة، ثم الاستخدام الداخلي لبرنامج «بيغاسوس»، يتسع النقاش في إسبانيا حول حدود قدرات أجهزتها الاستخباراتية، ليس فقط في مواجهة التهديدات القادمة من الخارج، وإنما أيضاً في حماية منظومتها الأمنية من الاختراقات والثغرات الداخلية.








