مصطفى الوردي
تظل السياسة الحقيقية حبرًا على ميثاق أخلاقي ووجداني يربط المسؤول بنبض شعبه، غير أن الهوة باتت تتسع أحيانًا بين من يصنعون القرار في بروج عاجية ومن يعانون تفاصيل العيش البسيط في الميدان. فحين يتحول الفعل التشريعي إلى مجرد أرقام ومواسم انتخابية عابرة، تفقد المؤسسات روحها، وتصبح الحاجة ملحة لرد الاعتبار للسياسة النظيفة التي تنطلق من شوارع الأحياء والفضاءات المفتوحة لا من خلف زجاج المكاتب المغلقة.
التواصل الفعّال مع المواطنين والنزول المباشر إلى الميدان، ومجالسة الساكنة في الفضاءات المفتوحة والأحياء، يبقى هو السبيل الأمثل لملامسة حاجيات المدينة والإقليم الحقيقية، بعيداً عن صالونات المكاتب ومظاهر الاستعراض المكتبي.
فالعمل الجاد وتدبير الشأن العام والتشريعي لا يحتاجان إلى مواكب السيارات الفارهة، ولا إلى الممارسات البائدة كرمي القصاصات والأوراق الانتخابية عشوائياً في الشوارع والأزقة، مما يشوه جمالية المدينة ويثقل كاهل عمال النظافة. إن احترام المواطن يبدأ أولاً باحترام بيئته وفضائه العام، فالنظافة والمظهر العام يعكسان مدى جدية الفاعل السياسي واحترامه للناخب.
يبقى الحل الأنجع هو القرب الحقيقي والتواصل الميداني، من خلال تنظيم مهرجانات ولقاءات جادة تتيح تواصلاً مباشراً وصادقاً، بشرط أن يلتزم المرشح ببرنامجه الانتخابي ويسعى بكل أمانة لتنفيذه في قبة البرلمان ودفاعاً عن قضايا الوطن، لا أن تتحول الوعود إلى شعارات زائفة تتبخر بمجرد ظهور النتائج. كما أن المسؤولية تفرض على النائب البرلماني استمرار التواصل مع الساكنة والاستماع لهمومهم طيلة الولاية التشريعية، لا فقط عند مواسم الاستحقاقات.
وحين يتحول العمل التشريعي إلى خدمة مجتمعية خالصة، فإنه يسقط تلك الحواجز المصطنعة التي تفرضها بعض الخطابات الخشبية، ليفسح المجال أمام نقاش هادئ ومسؤول ينصت لنبض الشباب، ويستوعب انشغالات الساكنة، ويستحضر تطلعات الأجيال القادمة التي تستحق وطناً مزدهراً ومؤسسات تمثلها بصدق وأمانة.
من جهة أخرى، تقع مسؤولية جسيمة على عاتق المواطن، فصوته الانتخابي أمانة كبرى يجب أن يُمنح لمن يستحقه بناءً على الكفاءة والنزاهة والقدرة على التشريع والمرافعة الحقيقية، لا على أساس الوعود الوهمية أو الولاءات العابرة. إن التغيير الحقيقي يبدأ بوعي جماعي يفرز نخبًا ومسؤولين في مستوى تطلعات الوطن والمواطنين.
إن سياسة القرب الحقة في الاستحقاقات التشريعية تُبنى على الوفاء بالعهود، والوعي الانتخابي المسؤول، والحوار الميداني المستمر، بعيداً عن العبث السياسي والمزايدات الظاهرية.







