زايو سيتي
رفعت عدة عواصم أوروبية خلال الأيام الأخيرة من مستوى تحذيراتها بشأن ما تصفه بتصاعد التهديدات الهجينة المرتبطة بروسيا، وسط حديث متزايد عن مخاطر الطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، وأعمال التخريب التي قد تستهدف منشآت وبنى تحتية حيوية.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تؤكد فيه دول أوروبية أنها لا تتعامل مع خطر هجوم روسي تقليدي وشيك، وإنما مع أشكال من المواجهة تقع دون مستوى الحرب المفتوحة. وكان الناتو قد أكد أن الحلف لا يرى في الوقت الراهن مؤشرات على هجوم وشيك، مع تشديده في الوقت نفسه على ضرورة رفع الجاهزية والقدرة على الصمود أمام التهديدات الهجينة.
وفي بولندا، حذر رئيس الوزراء دونالد تاسك من إمكانية تعرض دول داعمة لأوكرانيا، بينها بلاده، لاستفزازات روسية، داعياً بولندا وحلف شمال الأطلسي إلى الاستعداد لمختلف السيناريوهات. وتزامنت تصريحاته مع تحذيرات من احتمال استخدام الطائرات المسيّرة أو وسائل أخرى بطريقة تسمح بتقديم أي هجوم على أنه حادث عرضي، بما قد يضع الحلف أمام اختبار صعب لآليات الرد الجماعي.
وفي فرنسا، انتقل الملف إلى مستوى أعلى من الاستعداد الحكومي، بعدما أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أن التهديد الهجين الروسي شهد تصاعداً خلال الأسابيع الأخيرة، وأعطى تعليماته بإعداد خطة لحماية البنى التحتية الحيوية والمنشآت الحساسة، خصوصاً في قطاعات الدفاع والصناعة، من مخاطر الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية.
أما ألمانيا، فقد شكلت قضية مطار لايبزيغ محطة بارزة في هذا التصعيد. فقد أعلنت الحكومة الألمانية رسمياً في بداية سبتمبر مسؤولية روسيا عن محاولة هجوم بطائرات مسيّرة محملة بالمتفجرات استهدفت المطار في الرابع من أغسطس، وهو اتهام قالت برلين إنه يستند إلى نتائج تحقيقاتها. وأكد الناتو تضامنه مع ألمانيا، واصفاً الواقعة بأنها هجوم هجين.
وفي شمال أوروبا، تتعامل فنلندا أيضاً مع احتمال وقوع حوادث مرتبطة بالطائرات المسيّرة وأعمال التخريب باعتبارها جزءاً من بيئة أمنية أكثر تعقيداً. وفي الوقت نفسه، تؤكد دول على الجناح الشرقي للناتو أن تعزيز الاستعدادات العسكرية والمدنية لا يعني بالضرورة توقع اندلاع حرب تقليدية في المستقبل القريب.
وفي ليتوانيا، تركزت الاستعدادات على الجانب المدني أيضاً، مع إجراءات تهدف إلى تعزيز قدرة السلطات المحلية على التعامل مع الأزمات المحتملة، بما في ذلك عمليات الإجلاء وتوفير الملاجئ والمساعدات للسكان.
وتتزامن هذه التحركات مع توجه أوسع داخل الناتو والاتحاد الأوروبي نحو تعزيز ما يسمى المرونة المدنية، أي قدرة الدول على استمرار الخدمات الأساسية وحماية السكان والمنشآت الحيوية في حال تعرضها لهجمات أو اضطرابات واسعة. وقد نشر الناتو في 17 سبتمبر متطلبات جديدة لتعزيز صمود الدول الأعضاء أمام الهجمات الهجينة والاضطرابات التي قد تطال الطاقة والمياه والغذاء والاتصالات والخدمات الصحية.
وفي هولندا ودول أوروبية أخرى، تصاعد الحديث بدوره عن أن التهديدات الهجينة لم تعد مجرد سيناريو افتراضي، في ظل اتهامات متكررة لموسكو بالوقوف وراء أعمال تخريب وهجمات سيبرانية وعمليات تستهدف منشآت أوروبية. وفي المقابل، تنفي روسيا هذه الاتهامات وتصفها بأنها جزء من حملة تهدف إلى تصعيد التوتر معها.
وتكشف التحذيرات المتزامنة عن تغير طبيعة المخاوف الأمنية في أوروبا؛ فبدلاً من التركيز فقط على احتمال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة، أصبحت الحكومات تولي اهتماماً أكبر لهجمات قد تتم عبر المسيّرات أو الفضاء السيبراني أو عمليات التخريب، وهي أنشطة يصعب في بعض الحالات تحديد منفذيها وطبيعة الرد المناسب عليها.
ورغم ارتفاع مستوى الاستعداد الأوروبي، لا تشير التصريحات الصادرة عن الناتو إلى وجود هجوم تقليدي وشيك على دول الحلف. لكن المؤسسات الأوروبية والعسكرية تتعامل مع تصاعد الهجمات الهجينة باعتباره تحدياً أمنياً قائماً، وتعمل على تعزيز قدراتها لمواجهته والحد من تأثيره على السكان والبنى التحتية الحيوية.








