زايو سيتي
في مارس 1980، غادرت امرأة ريفية قريتها الجبلية وهي حامل، حاملة معها أربعة أطفال، ومتجهة في رحلة طويلة نحو هولندا حيث كان زوجها قد استقر للعمل منذ سنوات. لم تكن تقرأ ولا تكتب، ولم تكن تعرف أن الطفل الذي تحمله سيعود بعد عقود إلى تاريخ أسرته والريف الذي غادرته، لكن هذه المرة من بوابة الأدب والكتب.
انطلقت الرحلة من الريف نحو مطار الحسيمة، ثم إلى طنجة، فبروكسيل، قبل أن تصل الأسرة إلى هولندا. وبعد أيام قليلة، وُلد في مدينة هارلم الطفل أسيس عينان.
مر أكثر من أربعة عقود، تحول خلالها ذلك الطفل إلى كاتب وأستاذ هولندي، وكرّس جانباً مهماً من مساره للبحث في جذور أسرته وترجمة الأدب الأمازيغي إلى اللغة الهولندية.
غير أن سؤالاً واحداً ظل يرافقه: ماذا حملت الأسرة معها من الريف إلى هولندا، إلى جانب الحقائب؟
بالنسبة إلى عينان، لم تكن الإجابة مرتبطة فقط بالهجرة بحثاً عن العمل، بل بتاريخ طويل من الحرب والفقر والجوع والصمت، وذاكرة عائلية ظلت لسنوات بعيدة عن الأحاديث اليومية.
الهجرة بدأت قبل وصول الأسرة
كان والد أسيس قد غادر الريف في وقت سابق بحثاً عن العمل، قبل أن ينتقل عبر الجزائر إلى أوروبا ويستقر في هولندا، ضمن جيل المهاجرين المغاربة الذي ارتبط في الأدبيات الهولندية بمصطلح «العمال الضيوف».
لكن أسيس أعاد النظر في هذه الصورة من خلال تاريخ أسرته، معتبراً أن اختزال تلك الهجرة في البحث عن وظيفة وحياة أفضل لا يكفي لفهم دوافعها وخلفياتها.
فوراء الرحلة، وفق قراءته لتاريخ العائلة، كانت هناك آثار حرب الريف في عشرينيات القرن الماضي، إلى جانب الفقر والقمع والهجرة التي طبعت حياة أجيال كاملة في المنطقة.
وخلال بحثه في جذور أسرته، اكتشف عينان مفارقة لافتة داخل عائلته نفسها؛ إذ قاتل أحد أجداده الإسبان، بينما رفض جد آخر حمل السلاح ضدهم واضطر إلى مغادرة قريته.
هكذا وجد الكاتب داخل شجرة عائلته مقاوماً ورجلاً اعتُبر خائناً، وهي مفارقة لم يحاول إخفاءها أو تقديم رواية واحدة عنها، بل تركها شاهدة على تعقيد التاريخ الإنساني.
طفولة هولندية بذاكرة ريفية صامتة
نشأ أسيس في هارلم، وكانت اللغة الريفية حاضرة داخل البيت، لكن تفاصيل الحروب والمآسي التي عاشها أفراد العائلة لم تكن حاضرة بالقدر نفسه.
فالأجيال التي عاشت الحرب والفقر والموت لا تتحدث دائماً عما عاشته، خصوصاً أمام أبنائها.
وفي سن مبكرة، اكتشف أسيس أن الأدب قادر على فتح الأبواب التي أغلقها الصمت العائلي. وعندما قرأ أعمال الكاتب المغربي محمد شكري في حدود الثانية عشرة من عمره، شعر بأن الكتب يمكن أن تعيد إليه جزءاً من العالم الذي تركته أسرته خلفها.
مع مرور السنوات، تحول هذا الاكتشاف إلى مشروع ثقافي وأدبي.
من الهجرة إلى «المكتبة الأمازيغية»
أطلق أسيس عينان مشروع “BerberBibliotheek”، أو «المكتبة الأمازيغية»، بهدف نقل أعمال عدد من الكتاب ذوي الخلفيات الأمازيغية إلى القارئ الهولندي.
وشملت المشاريع الأدبية أسماء مثل محمد شكري، وطاوس عمروش، وفاضمة آيث منصور عمروش، ومحمد خير الدين، والطاهر جاووت وغيرهم.
وبذلك، لم تعد الهجرة بالنسبة إلى ابن الأسرة الريفية مجرد انتقال للأشخاص من شمال إفريقيا إلى أوروبا، بل أصبحت أيضاً انتقالاً للأدب والذاكرة والثقافة عبر الحدود.
وفي عام 2010، شارك عينان حسن بهارا في كتابة «Ik, Driss»، وهي رواية تتمحور حول شخصية عامل مغربي في هولندا، مستلهمة في جانب منها تجارب والدي الكاتبين.
وتستعيد الرواية صورة المهاجر المغربي الذي يصل إلى المصنع، يعمل ويصمت ويعود إلى بيته حاملاً معه أعباء لا يدرك الأبناء دائماً حجمها.
وكان والد أسيس نفسه قد أمضى سنوات طويلة في العمل داخل المصانع الهولندية قبل أن يتقاعد.
حين عاد الكاتب إلى الريف
واصل أسيس البحث في علاقة الهجرة بالهوية والذاكرة وتاريخ الريف، وبرز ذلك في كتابه «Eén erwt maakt nog geen snert»، الذي تناول من خلاله قضايا مرتبطة بالريف والهجرة والهوية المزدوجة.
وخلال بحثه، عاد مجدداً إلى تاريخ أسرته، واكتشف أن جدته فقدت إخوة وأخوات خلال حرب الريف، في وقت ظلت فيه آثار تلك الأحداث حاضرة داخل الأسرة من دون أن تتحول بالضرورة إلى حكايات متداولة بين الأجيال.
ومن هنا طرح عينان قراءة مختلفة لتجربة الجيل الريفي الأول في هولندا، رافضاً اختزالهم في صورة «العمال الضيوف» فقط، ومشدداً على ضرورة فهم التاريخ الذي خرجوا منه قبل دراسة لحظة وصولهم إلى أوروبا.
فالهجرة، في هذه الرؤية، لم تبدأ عند بوابة المصنع الهولندي، وإنما سبقتها عقود من التحولات والحروب والفقر والاقتلاع.
19 عاماً في التعليم.. ثم عودة أخرى إلى الذاكرة
إلى جانب الكتابة والعمل الأدبي، أمضى أسيس عينان نحو 19 عاماً في مجال التعليم، قبل أن يعلن في مارس 2026 انتهاء مرحلة طويلة من عمله مدرساً.
لكن مغادرة الفصل لم تعنِ بالنسبة إليه مغادرة التعليم؛ إذ ظل حاضراً في كتاباته ومشاريعه الثقافية، وفي اهتمامه بالمؤسسات الهولندية والتمثيل والاختلافات الاجتماعية.
ومع ذلك، تبقى صورة والدته من أكثر الصور اختصاراً لمسيرته كلها.
امرأة ريفية حامل، تغادر قرية جبلية سنة 1980، وتسافر عبر الحسيمة وطنجة وبروكسيل وصولاً إلى هولندا، وهي تحمل طفلاً لم تكن تعرف ماذا سيصبح.
بعد أكثر من أربعين عاماً، أصبح ذلك الطفل كاتباً وأستاذاً ومترجماً، وعاد عبر الكتب إلى العالم الذي جاءت منه أسرته.
لم يتمكن أسيس عينان من تغيير الماضي، لكنه حاول أن يمنحه مكاناً في الذاكرة، وأن ينقل جزءاً من الأدب والثقافة الأمازيغية إلى القارئ الهولندي.
وهكذا، تحولت رحلة أم ريفية من مجرد قصة هجرة إلى بداية حكاية طويلة عن الذاكرة والهوية والأدب، انتهت بوضع جزء من تاريخ الريف على رفوف المكتبات الهولندية.








