زايو سيتي: تحرير / عادل شكراني
في المسرح، لا تُقاس الحكايات بعدد الستائر التي أُسدلت، ولا بعدد الأضواء التي أشرقت فوق الخشبة، بل بما تتركه في الذاكرة من أثر، وبما تصنعه من أجيال تحمل المشعل من يد إلى أخرى. ومن هذا المعنى تُستعاد تجربة ابن زايو فخر الدين العمراني، الذي ارتبط اسمه، على مدى عقود، بالمسرح والتعليم والتكوين، وترك بصمته في المشهد الثقافي والفني بإقليم الناظور.
ولد فخر الدين العمراني سنة 1960 بمدينة زايو، في كنف أسرة يصفها بالمثقفة والمجاهدة والغيورة على الوطن. وفي الناظور تلقّى تعليمه الابتدائي والثانوي. بدأت أولى فصول الحكاية؛ حكاية طفل لم يكن يعرف أنّ الخشبة التي وقفَ عليها في سنوات الدراسة ستتحول، مع مرور الزمن، إلى فضاء رحب للحلم والإبداع وصناعة المواهب.
حصل العمراني على شهادة البكالوريا في الآداب العصرية، قبل أن يلتحق بجامعة محمد الأول بوجدة، متخصصاً في الأدب العربي. وبعد ذلك، اختار مهنة التعليم، فاشتغل أستاذاً بثانوية حمان الفطواكي بالناظور، ثم ملحقاً تربوياً بالمدينة نفسها، قبل أن يعين سنة 1995 رئيساً لمكتب الأنشطة الاجتماعية والتربوية بنيابة وزارة التربية الوطنية بالناظور، وهي المهمة التي استمر فيها إلى غاية سنة 1999، لينتقل بعدها إلى الثانوية الإعدادية طارق بن زياد.
فمنذ دراسته الابتدائية بمؤسسة ابن خلدون بمدينة الناظور، بدأت علاقته الأولى بهذا الفن، قبل أن تجد موهبته طريقها نحو النضج بثانوية الكندي، حيث تلقى التأطير على يد الأستاذ والفنان القدير سعيد الجراري. وهناك، لم تكن الخشبة مجرد فضاء لتمثيل نصوص مدرسية، بل كانت مدرسة أخرى، يتعلم فيها الشباب كيف يصنعون من الكلمة موقفاً، ومن الحركة لغة، ومن الضوء والظل عالماً آخر.
وفي تلك المرحلة، شارك العمراني رفقة مجموعة من أبناء المدينة في تقديم عدد من المسرحيات المدرسية، من بينهم حسن أخنوس، الذي يشتغل حالياً مذيعاً بإذاعة المنار ببلجيكا، ومحمد بنعلال، مندوب الهلال الأحمر المغربي، إلى جانب الفزازي عزالدين وعبد الكريم بوتگيوت وعبد الرحمن بوهدان وأحمد الدحروش وغيرهم.
وفي أواخر سنة 1975، انتقلت التجربة من فضاء المدرسة إلى أفق أوسع، حين أسس فخر الدين العمراني رفقة عدد من رفاقه جمعية «أهل الدربالة للموسيقى والمسرح»، لتصبح الجمعية واحدة من عناوين تلك المرحلة الثقافية والفنية.
قدّمت الجمعية آنذاك سلسلة من السكيتشات والمسرحيات والتمثيليات، بأشكال مسرحية وأبنية درامية مختلفة، واستطاعت عروضها أن تستقطب جمهوراً واسعاً، في زمن كانت فيه الخشبة تُبنى بالإرادة قبل أن تُبنى بالإمكانات، وكان المسرح يجد طريقه إلى الناس رغم محدودية التجهيزات والوسائل.
ولم تظل التجربة حبيسة حدود المدينة، إذ انخرطت الجمعية في الجامعة الوطنية لمسرح الهواة، التي كانت تضم أسماء وازنة في المسرح المغربي، من قبيل عبد الكريم برشيد، عبد المجيد فنيش، عبد الرحمن بنزيدان، محمد بلهيسي، يونس لوليدي، مصطفى رمضاني، عمر درويش، يحيى بودلال وعبد الواحد عوزري وغيرهم.
ومن بين الأعمال التي قدمتها الجمعية باللغة العربية في إطار إقصائيات المهرجان الوطني، مسرحية «محاكمة رجل مجهول» للدكتور عز الدين إسماعيل، والتي أدى فيها العمراني دور البطولة، كما اشتغل مساعداً للمخرج الناظوري الكبير الحسين قمري.
وتوالت التجارب مع أعمال أخرى، من بينها «رسالة وألف» و**«وقوفاً على الأقدام»**، التي شارك فيها العمراني تمثيلاً وإخراجاً، ثم مسرحية «مجنون في بيتنا» من تأليف محمد واعلي وإخراج فخر الدين العمراني، وهي تجربة حملت معها تحولاً لافتاً في المشهد المسرحي المحلي، بعدما شهدت حضور العنصر النسوي لأول مرة في المدينة، وأسهمت في بروز كفاءات مسرحية جديدة، من بينها الممثل القدير فاروق أزنابط.
غير أنّ الشغفَ وحده لم يكن كافياً بالنسبة إلى العمراني. فقد كان يدرك أنّ الموهبة تحتاج إلى معرفة، وأنّ الخشبة تحتاج إلى أدوات، وأنّ الإخراج ليس مجرد إحساس، بل علم وفن وتقنيات.
ومن أجل تعميق معارفه المسرحية، شدَّ الرحال إلى الدار البيضاء، حيث التحق بالمعهد البلدي للغناء والرقص والفن المسرحي، وقضى هناك سنتين من التكوين والتحصيل على أيدي أساتذة من المغرب وخارجه. وهناك انفتح أمامه عالم أكثر اتساعاً من تقنيات الإخراج والسينوغرافيا وإدارة الممثل واستثمار الجسد والحركة، بما في ذلك الكيوغرافيا.
وعندما عاد إلى الناظور، لم يعُد حاملاً لشغف المسرح فقط، بل حاملاً أدوات جديدة أراد أن يضعها في خدمة المدينة ومواهبها. بدأ في تكوين الممثلين وإعدادهم وتهيئتهم حركياً وركحياً، مستفيداً من موقعه في قطاع التعليم، حيث وجد في المدرسة والتلاميذ أرضاً خصبة لزرع بذور المسرح.
ومن هنا، يمكن قراءة تجربة فخر الدين العمراني باعتبارها تجربة راهنت على المسرح المدرسي باعتباره مشتلًا للمواهب، في مرحلة كانت فيها التجهيزات الأساسية محدودة، لكن الرغبة في الإبداع كانت أكبر من كل الإمكانات.
وقد أثمرت هذه التجربة عن عدد من المشاركات والتتويجات الجهوية والوطنية، من خلال أعمال عربية وأمازيغية، من بينها مسرحية «لماذا؟» سنة 1994 بوجدة، ومسرحية «نداء الأطفال للعالم»، من تأليف الحسين قمري، والتي قدمت ضمن المهرجان الوطني الرابع بأكادير سنة 1996، وحصلت على الجائزة الأولى في السينوغرافيا.
وفي سنة 1997، جاءت محطة أخرى أكثر إشراقاً مع مسرحية «سفينة نوح»، التي قدمت بالناظور ضمن المهرجان الوطني الخامس، وحصلت على الجائزة الكبرى للمهرجان، إلى جانب جائزة أحسن إخراج.
ثم جاء عام 1999 حاملاً تنويهاً جديداً في مهرجان الرباط الدولي الرابع، عن مسرحية «أرياز ن وارغ – رجل من ذهب»، من تأليف أحمد زاهد وإخراج فخر الدين العمراني.
لكن الجائزة الأهم في مسيرة الفنان، كما توحي تجربته، لم تكن دائماً تلك التي تُسلّم فوق المنصة، وإنما كانت في الأسماء التي اكتشفها، والوجوه التي منحها فرصة الوقوف تحت الضوء، والمواهب التي ساعدها على اكتشاف ذاتها فوق الخشبة.
وفي هذا السياق، واصل العمراني العمل على إثراء الحركة المسرحية بإقليم الناظور، من خلال تأطير الممثلين وتكوينهم، واعتماد حلقات انتقائية Casting لاختيار الأجود والأكثر قدرة على الاشتغال فوق الخشبة. وكانت هذه التجربة، سنة 2005، سابقة في الناظور من حيث الفكرة وحجم المشاركة والحضور.
ومن بين الأعمال التي ارتبطت بهذه المرحلة مسرحية «نحن أحفاد ماسينيسا» للدكتور جميل حمداوي، ومسرحية «يوغرطة» للشاعر محمد العوفي، في محاولة لاستحضار التاريخ والهوية والذاكرة عبر لغة المسرح.
هكذا، تبدو سيرة فخر الدين العمراني أشبه بمسرحية طويلة الفصول؛ فصلها الأول تلميذ صغير يكتشف سحر الخشبة، وفصولها اللاحقة أستاذ ومؤطر ومخرج، يسافر بحثاً عن المعرفة، ثم يعود بها إلى مدينته، ليضعها بين أيدي جيل جديد من الممثلين.
إنها حكاية رجل اختار أن يجعل من المسرح أكثر من فن للفرجة؛ جعله فضاءً للتربية، ومدرسة للانضباط والإبداع، ونافذة تُطلُّ منها المدينة على عوالم أخرى.
وبين زايو والناظور والدار البيضاء، وبين مقاعد المدرسة وأضواء الخشبة، امتدت رحلة فخر الدين العمراني، رحلةٌ ظلّ فيها المسرح وفياً لصاحبه، وظلّ صاحبه وفياً لخشبة آمن بأنها قادرة على أن تصنع الإنسان قبل الفنان.








