زايوسيتي
تتكسر أحيانا صرخات الانتصار تحت وطأة صدمات الواقع، وربما هذا هو المعنى الأقرب لمسار رجل لم تعرف أقدامه التراجع لا فوق حلبات النزال الدولية ولا في ردهات الشأن العام المحلي، فالبطل العالمي السابق ورئيس جماعة إيموزار كندر، مصطفى لخصم، لم يكن قط شخصية عادية تمر مرور الكرام في الذاكرة الجمعية المغربية، بل ظل اسماً يثير الجدل ويحرك النقاشات ويسائل الضمير الجماعي كلما لاحت في الأفق أزمة جديدة أو محطة مفصلية، وكأن القدر قد كتب عليه أن يظل دائما في قلب العاصفة، بين مجد الماضي الرياضي الصاخب وتحديات الحاضر الإداري والسياسي الشاق، مستحضراً معه تلك الروح القتالية التي طالما واجه بها أقوى خصوم العالم ليرفع الراية المغربية عالية خفاقة في مختلف القارات قبل أن يختار خوض غمار تدبير شؤون المواطنين في مدينة ترتبط بجمال طبيعتها وثقل مشاكلها اليومية.
وتعود جذور الحكاية إلى التاسع عشر من شهر سبتمبر سنة 1972، حيث وُلد مصطفى لخصم في مدينة هانو الألمانية المتاخمة لفرانكفورت، في حضن أسرة مغربية هاجرت بحثاً عن آفاق أوسع، وهناك في بلاد المهجر، وسط بيئة أوروبية متطلبة، بدأت ملامح البطل تتشكل تدريجياً من خلال احتكاكه المبكر بعالم الفنون القتالية، حيث جرب حظه في التيكواندو والفول كونتاكت والكيك بوكسينغ، متسلحاً بانضباط حديدي وإرادة صلبة صقلتها ظروف الغربة، ولم تمر سوى سنوات قليلة حتى فرض اسمه بقوة في البطولات المحلية والأوروبية، معلناً عن ميلاد نجم قادم لا محالة، قبل أن يتخذ القرار المصيري بارتداء القميص الوطني والدفاع عن ألوان بلده الأصلي في المحافل الدولية ابتداءً من سنة 1993، وهو القرار الذي فتح الباب أمام أسطورة حقيقية ستتربع على عرش الرياضات القتالية العالمية لأكثر من عقدين من الزمن، محطمة الأرقام القياسية ومتربعة على منصات التتويج في المنظمات الدولية الكبرى مثل الفيدرالية العالمية للكيك بوكسينغ والمنظومة العالمية للكيك بوكسينغ المحترف، حيث حصد ألقاب بطولات العالم سنوات 1990 و1994 و1997، واستمر في حصد الذهب طيلة سنوات الألفين بواقع تتويجات متتالية أعوام 2002 و2003 و2004 و2005 و2006 و2007 وصولاً إلى سنة 2008، ليثبت للعالم أجمع أن العزيمة المغربية قادرة على قهر المستحيل وصنع المجد من ركام التحديات، وهو المسار البطولي الذي توج بتقدير مولوية سامية عندما وشحه الملك محمد السادس بوسام ملكي من درجة فارس ومن درجة ممتاز اعترافاً بخدماته الجليلة للرياضة الوطنية، قبل أن يختتم مشواره الاحترافي الأسطوري في الخامس من يونيو سنة 2010 على أرض مدينة فاس التاريخية بانتزاع فوز تاريخي ومؤثر على خصمه الروسي أليكسي ريبكين، ليطوي صفحة النزالات فوق الحلبات ويترك خلفه إرثاً رياضياً نادراً يحتذى به من طرف الأجيال الصاعدة.
غير أن الهدوء الذي كان يفترض أن يعقب صخب التتويجات والاعتزال لم يكن من نصيب رجل اعتاد النزال، إذ وجد لخصم نفسه منجذباً بشكل طبيعي نحو ميدان آخر لا يقل ضراوة عن الحلبات، وهو ميدان العمل الجمعوي والسياسي وتدبير الشأن العام، منطلقاً من رغبة جامحة في رد الدين للوطن والمساهمة الفاعلة في تنمية المجتمع، وهو ما توج بانتخابه رئيساً لجماعة إيموزار كندر، المدينة السياحية الجبلية الوادعة التي تحولت بفضل صوته المرتفع ومواقفه الجريئة إلى محط أنظار الرأي العام الوطني والمتابع للشأن المحلي، فلم يكن لخصم رئيساً تقليدياً يكتفي بتصريف الأعمال، بل اختار طريق الصراحة المطلقة ومهاجمة ما يعتبره اختلالات وعراقيل إدارية وبيروقراطية تعيق التنمية، وهي المواقف التي وضعه مراراً وتكراراً في مواجهات مباشرة مع مختلف المتدخلين، وأفرزت نقاشات صاخبة حول حدود الجرأة السياسية وكيفية تدبير الجماعات الترابية، ليتحول الرجل من بطل يصفع الخصوم باللكمات إلى مسؤول سياسي يواجه الملفات الشائكة بالانتقاد الصريح، الأمر الذي جعله شخصية محبوبة لدى قطاع واسع من المواطنين الباحثين عن التغيير، وفي نفس الوقت مادة دسمة لوسائل الإعلام التي تتابع أخباره وتصريحاته النارية باهتمام بالغ.
وفي خضم هذه المعترك المستمر، جاءت الوعكة الصحية المفاجئة التي ألمت به مساء الأحد 6 شتنبر 2026, لتستنفر الأوساط الرياضية والسياسية والشعبية، بعدما تعرض لحالة تسمم عرضي حادة استدعت نقله على وجه السرعة نحو إحدى المصحات الخاصة بالعاصمة العلمية فاس لتلقي العلاجات الضرورية والفحوصات الطبية الدقيقة، وهو الخبر الذي انتشر كالنار في الهشيم وأثار حالة من القلق والترقب بين محبيه وعارفي فضله، إلا أن مصادر مقربة سارعت إلى تبديد المخاوف وقطع الطريق أمام الشائعات المغرضة التي حاولت تهويل الوضع، مؤكدة أن حالته مستقرة تماماً ومطمئنة ولا تدعو لأي هلع، وأن الأطباء قد وصفوا له برنامجا استشفائياً دقيقاً يقتضي الخلود التام للراحة وفترة نقاهة تدوم ثلاثة أيام قبل أن يستعيد عافيته ويستأنف أنشطته العادية، لتتوالى بعد ذلك برقيات التمنيات بالشفاء العاجل من مختلف ربوع الوطن، في إشادة ضمنية بمكانة الرجل وتأكيد على أن القلوب تظل دائما مع الأبطال الذين صنعوا لحظات الفرح للمغاربة قاطبة، ويبقى مصطفى لخصم بذلك الرمز الحي على أن الإنسان قد يغادر ساحة الرياضة، لكن الروح القتالية تظل ترافقه أينما حل وارتحل، مدافعاً عن مبادئه وعن حقه في قول الحقيقة مهما كانت التكاليف.








