زايو سيتي
تتجه جهة الشرق نحو مرحلة جديدة من التحول الاقتصادي، عنوانها الأبرز مشاريع مهيكلة كبرى، ومؤهلات سياحية ولوجستيكية واعدة، ورهان متزايد على تحويل موقع المنطقة من واجهة حدودية إلى قطب اقتصادي قادر على استقطاب الاستثمار وخلق فرص الشغل.
ويبرز ميناء الناظور غرب المتوسط في صدارة هذه الدينامية، إلى جانب محطة السعيدية والمشاريع المرتبطة بمارشيكا، فضلا عن الدور الاقتصادي المتنامي لمغاربة العالم، باعتبارها عناصر يمكن أن تعيد رسم مكانة جهة الشرق خلال السنوات المقبلة.
وفي الجانب السياحي، يؤكد يوسف زكي، رئيس المجلس الجهوي للسياحة بالشرق، أن خارطة الطريق السياحية للفترة 2023-2026 ترمي إلى تعزيز موقع المغرب ضمن أبرز الوجهات السياحية العالمية في أفق 2030، مشيرا إلى أن الجهة بدأت تسجل مؤشرات مشجعة بفضل ما تزخر به من مؤهلات طبيعية وثقافية، إلى جانب المشاريع الكبرى التي يجري إنجازها.
غير أن الرهان الأساسي، بحسب المتدخلين في القطاع، يتمثل في تجاوز الطابع الموسمي الذي يطبع النشاط السياحي بالجهة، خصوصا خلال فصل الصيف. ولهذا الغرض، يجري العمل على تنويع العرض السياحي عبر تطوير السياحة الطبيعية والثقافية، وتنظيم الفعاليات، وتشجيع التجارب المحلية، بما يسمح بجذب الزوار خلال فترات أطول من السنة.
وتحتل السعيدية موقعا مركزيا في هذه المعادلة، باعتبارها المحرك الرئيسي للوجهة السياحية بالجهة، مع طموح لتمديد فترة اشتغال المهنيين من بضعة أسابيع خلال ذروة الصيف إلى ما يقارب أربعة أشهر.
وتعزز هذا التوجه خارطة الطريق السياحية 2025-2030، التي تتضمن نحو 58 مشروعا بغلاف مالي إجمالي يناهز 424 مليون درهم، تشمل مجالات تثمين المنتجات الترابية، وتقوية النقل الجوي، والترويج للوجهة، والتكوين، والتنشيط السياحي.
وفي الجهة المقابلة، يفتح ميناء الناظور غرب المتوسط الباب أمام تحولات أوسع من القطاع السياحي، إذ ينتظر أن يشكل إحدى أهم رافعات الاقتصاد الجهوي خلال السنوات المقبلة. وتشير التقديرات إلى إمكانية إحداث نحو 100 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر خلال السنوات الأولى من استغلاله، في وقت يرتقب أن تدخل المنشأة المينائية الخدمة بشكل تدريجي ابتداء من سنة 2026.
ولا تقتصر أهمية المشروع على الميناء نفسه، بل تمتد إلى شبكة واسعة من المشاريع المرتبطة بتحسين الربط والبنيات التحتية، وفي مقدمتها الطريق السيار جرسيف-الناظور، بما من شأنه تعزيز انفتاح المنطقة على باقي جهات المملكة وربطها بشكل أكثر فعالية بمراكز الإنتاج والاستهلاك والأسواق الوطنية والدولية.
وبموازاة ذلك، تبرز مشاريع مارشيكا كرافعة اقتصادية وسياحية مكملة للسعيدية، بالنظر إلى ارتباطها بالمجال الحضري للناظور وقدرتها على استقطاب مشاريع سياحية واستثمارية جديدة، وهو ما يجعل من الساحل الشرقي أحد أبرز المجالات المرشحة لاستقبال استثمارات نوعية خلال المرحلة المقبلة.
لكن الطموحات الاقتصادية الكبيرة تصطدم بتحد اجتماعي لا يقل أهمية، يتمثل في البطالة، خصوصا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات. فنجاح المشاريع الكبرى لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو أعداد الزوار، وإنما بقدرتها على خلق فرص شغل مستدامة وإدماج الكفاءات المحلية في سلاسل الإنتاج والخدمات.
ومن هنا يبرز رهان بناء نسيج صناعي محلي قادر على مواكبة التحولات التي ستفرزها المشاريع الكبرى، وربط المقاولات المحلية بسلاسل القيمة الجديدة، حتى لا تتحول المنطقة إلى مجرد مجال لعبور السلع أو استقبال السياح، بل إلى فضاء منتج ومستفيد من القيمة الاقتصادية المضافة.
ويشكل مغاربة العالم بدورهم إحدى أهم الروافع التي تستند إليها اقتصاديات مدن وقرى الجهة، خاصة خلال فصل الصيف، حيث تنعش تحويلاتهم وحضورهم قطاعات التجارة والعقار والخدمات والنقل والسياحة.
غير أن التحدي المطروح مستقبلا يتمثل في تحويل جزء أكبر من هذه الدينامية الصيفية إلى استثمارات منتجة ومشاريع مقاولاتية دائمة، بما يسمح بتحويل ارتباط مغاربة العالم بالمنطقة من نشاط موسمي إلى مساهمة مستمرة في التنمية الاقتصادية المحلية.
وهكذا، تبدو جهة الشرق أمام مفترق طرق اقتصادي مهم: ميناء ضخم بالناظور، وجهة سياحية بالسعيدية، مشاريع كبرى بمارشيكا، وشبكة طرق وربط جديدة، إلى جانب رأسمال بشري واستثماري يوفره مغاربة العالم.
ويبقى الرهان الحقيقي هو قدرة الجهة على جمع هذه العناصر في منظومة اقتصادية متكاملة، تجعل من الناظور والسعيدية وباقي أقاليم الشرق مراكز إنتاج واستثمار وتشغيل، لا مجرد وجهات موسمية، وتمنح المنطقة موقعا جديدا على الخريطة الاقتصادية والسياحية للمغرب في أفق 2030.








