يُسلط تقرير أعدته صحيفة “NOS” الهولندية مؤخراً الضوء على مفارقة لافتة تشهدها الساحة المغربية، متمثلة في تساؤل جوهرها كيف يؤدي تحسن الأوضاع الاقتصادية والتنموية في المغرب إلى ارتفاع الرغبة في الهجرة بدل أن يدفع الشباب للتشبث بالبقاء في وطنهم. ويأتي هذا النقاش في سياق التوتر المستمر على الحدود مع مدينة سبتة المحتلة، وسط موجات عبور جماعي ودعوات متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، مما دفع السلطات المغربية إلى تعزيز إجراءاتها الأمنية المشددة.
وعلى الرغم من النمو الكبير الذي حققه الاقتصاد المغربي خلال العقدين الماضيين، والذي تجسد بوضوح في تطوير البنية التحتية من شبكات للطرق السيارة وقطار السرعة الفائقة “البراق”، فضلاً عن التوسع العمراني والصناعي الهائل في مدن مثل طنجة التي تحولت إلى قطب استثماري وصناعي كبرى، إلا أن هذه التطورات لم تنجح في تبديد حالة عدم الرضا السائدة بين قطاعات واسعة من الشباب. وتشير المعايير الاقتصادية إلى تضاعف حجم الاقتصاد الوطني، لكن ذلك يصطدم بواقع معيشي يومي يترجمه عمال وشباب عبر شعور عميق بانسداد الأفق، حيث لا تتناسب الأجور الحالية مع الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة والإيجار، مما يخلق شعوراً بالجمود في ظل غياب فرص عمل مستقرة.
وفي تحليل عميق لهذه الظاهرة، يوضح عالم الاجتماع والباحث المتخصص في قضايا الهجرة، هاين دي هاس، أن التنمية الاقتصادية لا تسهم بالضرورة في مراحلها الأولى في تقليص أعداد المهاجرين، بل قد تدفع بها نحو الارتفاع فيما يُعرف بـ”مفارقة الهجرة”. ويعلل دي هاس ذلك بأن التطور التعليمي وانفتاح المجتمع يرفعان من سقف تطلعات الأجيال الصاعدة التي تصبح طموحاتها أكبر من الوظائف التقليدية أو محدودة الدخل. يضاف إلى ذلك عامل توفر القدرة المالية، حيث يتيح تحسن الدخل النسبي وانخفاض معدلات الفقر لعدد أكبر من العائلات توفير التكاليف المادية الباهظة التي تتطلبها مغامرة الهجرة نحو أوروبا، وهي موارد لم تكن متاحة في السابق للفئات الأكثر هشاشة.
ويخلص التقرير إلى أن ظاهرة الهجرة لا تفسر بالفقر وحده، بقدر ما ترتبط بتحول في تطلعات ومكتسبات الأجيال الشابة في وقت تقف فيه سوق العمل عاجزة عن استيعاب تلك الطموحات وتوفير آفاق مهنية ملائمة. ورغم ذلك، يرجح الباحثون أن المغرب قد يبلغ قريباً ذروة هذه الموجات، لتتراجع أعداد المهاجرين تدريجياً في المراحل المقبلة مع استمرار مسار التنمية الاقتصادية وانخفاض معدلات النمو الديموغرافي والولادات.








