ربط تحقيق نشره موقع «ذا كريدل» بين أزمة الهجرة التي شهدتها مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية أواخر يوليوز، والتنافس الجيوسياسي المتصاعد حول مضيق جبل طارق، معتبراً أن تدفق عشرات الآلاف من المغاربة نحو الجيب الإسباني قد يكون وجّه رسالة سياسية إلى مدريد بشأن أهمية التعاون المغربي في الحفاظ على أمن المنطقة.
وجاء في التحقيق، الذي أعده الكاتب إيسون أثاناسياديس ونشر في 11 غشت الجاري، أن وصول أعداد كبيرة من المغاربة إلى سبتة بعد مرورهم عبر نقاط مراقبة مغربية أظهر، بحسب معدّه، «انهياراً أوسع» في منظومة الأمن العالمية، في وقت تتزايد فيه أهمية الممرات البحرية الاستراتيجية في غرب أوراسيا.
ونقل التحقيق عن ريكاردو فابياني، مدير مشروع شمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، قوله إن من «المحتمل إلى حد كبير» أن تكون السلطات المغربية قد سهّلت الأزمة، وإن لم تكن بالضرورة هي من خططت لها، مشيراً إلى أن السلطات المغربية كانت على علم بالنشاط على الإنترنت المتعلق بفتح سبتة أمام الراغبين في الوصول إليها، وأنها أبلغت السلطات الإسبانية بذلك.
ويطرح التحقيق عدة فرضيات بشأن دوافع الرباط، من بينها النزاع المستمر حول سبتة ومليلية، وتعاظم ثقة المغرب بنفسه نتيجة تحالفاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى التحولات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب في إيران وموقف إسبانيا من إسرائيل.
سبتة في قلب التنافس على مضيق جبل طارق
ويشير التحقيق إلى أن سبتة، الواقعة على الجانب الإفريقي من مضيق جبل طارق، تكتسب أهمية استراتيجية متزايدة مع اضطراب حركة الملاحة في ممرات بحرية أخرى، خصوصاً مضيق هرمز وباب المندب. ويرى أن السيطرة على سبتة تمنح موقعاً مهماً في واحدة من أهم نقاط الاختناق البحرية التي تربط المحيط الأطلسي بالبحر المتوسط.
وفي هذا السياق، ينقل التحقيق عن فابياني أنه لا توجد أدلة تسمح بالقول إن الولايات المتحدة أو إسرائيل شاركتا في أزمة سبتة، لكنه يتحدث عن «تحريض» استمر لأسابيع عبر حسابات إسرائيلية على مواقع التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع نقاشات في الكونغرس الأميركي بشأن وضع سبتة ومليلية.
وكان المغرب قد نفى تسهيل وصول المهاجرين إلى سبتة، فيما أشار التحقيق إلى أن السلطات المغربية لاحقت قضائياً شخصاً واحداً على الأقل من بين مئات المغاربة الذين تحدثوا عن كيفية وصولهم إلى المدينة. كما لفت إلى أن الولايات المتحدة عادت لاحقاً إلى تأكيد دعمها «بشكل لا لبس فيه» للسيادة الإسبانية على سبتة ومليلية، في موقف جاء بعد جدل أثاره موقف سابق في الكونغرس الأميركي.
ونقل التحقيق عن جاكوب موندي، أستاذ دراسات السلام والصراع في جامعة كولغيت الأميركية، قوله إن الحكومة المغربية لا تبدو مهتمة بتغيير الحكومة الإسبانية، بالنظر إلى أن حكومة بيدرو سانشيز الحالية تدعم الموقف المغربي بشأن الصحراء، لكنه ربط في المقابل التطورات بموقف مدريد من القضية الفلسطينية والحرب على إيران.
الموانئ المغربية تعزز موقع الرباط
كما يربط التحقيق بين أزمة سبتة والتوترات المتزايدة حول الممرات البحرية الاستراتيجية في غرب أوراسيا، من مضيق هرمز وباب المندب إلى البحر الأسود والمضائق التركية وقناة السويس. ويعتبر أن تصاعد الاضطرابات حول هذه الممرات يعكس تحولاً في موازين القوى العالمية، ويزيد في الوقت نفسه من الأهمية الجيوسياسية لمضيق جبل طارق.
ويشير التحقيق إلى أن المغرب عزز موقعه الاستراتيجي خلال السنوات الأخيرة بفضل استثمارات صينية وأميركية وأوروبية، فضلاً عن تطوير موانئ كبرى مثل طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط، ويرى أن هذه البنية التحتية، إلى جانب الموقع الجغرافي للمملكة، جعلت المغرب نقطة تنافس بين واشنطن وبكين وبروكسل.
وفي الجانب الإسباني، يذكر التحقيق أن أجهزة الأمن الإسبانية خلصت إلى وجود عناصر من الاستخبارات المغربية بين الحشود التي وصلت إلى سبتة، نقلاً عن تقارير صحافية إسبانية، لكن الحكومة الإسبانية اختارت تبني خطاب أكثر حذراً، مرجعة موجة الوصول إلى شبكات الاتجار بالبشر والتضليل الذي انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من دون اتهام رسمي للمغرب بالتورط في تنظيم العملية.
ويستحضر التحقيق أزمة سبتة في ماي 2021، عندما شهدت المدينة تدفقاً كبيراً للمهاجرين في سياق توتر بين الرباط ومدريد بسبب استقبال إسبانيا إبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو، للعلاج. ويرى أن تلك السابقة تعزز النقاش الأوروبي بشأن احتمال استخدام الهجرة أداة للضغط السياسي.
وفي الوقت نفسه، يربط التحقيق بين التنافس المغربي الإسباني وبين تطور البنية المينائية المغربية، خصوصاً مينائي طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط، باعتبارهما مشروعين يقعان بالقرب من سبتة ومليلية ويعززان موقع المغرب على طرق التجارة البحرية في غرب المتوسط.
التقارب المغربي الإسرائيلي في الحسابات الجيوسياسية
ويخصص التحقيق حيزاً مهماً للعلاقات المغربية الإسرائيلية والأميركية، معتبراً أن التقارب بين الرباط وواشنطن وتل أبيب عزز الموقع الاستراتيجي للمغرب، خصوصاً بعد استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية وانضمام المملكة إلى «اتفاقات أبراهام».
كما يشير إلى تنامي التعاون العسكري والأمني بين المغرب وإسرائيل، بما في ذلك التدريبات العسكرية المشتركة وتطوير الصناعات المرتبطة بالطائرات المسيّرة وأنظمة الرادار والحرب الإلكترونية، ويطرح ذلك في إطار أوسع يتعلق بالتنافس على طرق الملاحة والطاقة والتجارة في البحر المتوسط.
غير أن التحقيق ينقل أيضاً عن محللين مغاربة انتقادات للسياسات الخارجية والأمنية للمملكة، ويربط بين تصاعد الطموحات الجيوسياسية وبين استمرار الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع آلاف الشباب المغاربة إلى محاولة مغادرة البلاد.
ويخلص التحقيق إلى أن أزمة سبتة لا يمكن فصلها، وفق قراءته، عن التحولات الجيوسياسية الأوسع التي تجعل مضيق جبل طارق وموانئ غرب المتوسط أكثر أهمية في ظل اضطراب طرق التجارة العالمية وتزايد التنافس بين الولايات المتحدة والصين وتنامي حضور إسرائيل في المجال البحري للمنطقة.








