خولة اجعيفري
الأثنين 11 ماي 2026 – 17:00
طوت عودة المعتقلين المغاربة الستة، المعروفين إعلاميا بـ”معتقلي الصومال”، إلى أرض الوطن، سنوات من الانتظار والمعاناة التي عاشتها عائلاتهم بين أحكام بالإعدام صدرت في حقهم داخل الصومال، ثم قرارات قضائية نهائية قضت ببراءتهم، قبل أن تستمر معركة الترحيل لأشهر طويلة وسط ظروف احتجاز قاسية ونداءات حقوقية متواصلة، في وقت أكدت فيه عائلاتهم أن فرحة العودة تبقى “غير مكتملة”، ما دام أبناؤها ما يزالون تحت تدابير الحراسة النظرية بالمغرب، مطالبة بطي الملف نهائيا وإطلاق سراحهم بعد تجربة وصفتها بـ”القاسية والمؤلمة”.
وأعلنت اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين، في بلاغ صدر بتنسيق مع عائلات المعتقلين، أن الشبان الستة وصلوا إلى مطار محمد الخامس بالدار البيضاء بتاريخ 7 ماي 2026، بعد استكمال إجراءات ترحيلهم من الصومال، مؤكدة أنه جرى وضعهم تحت تدابير الحراسة النظرية، في انتظار استكمال المساطر القانونية الجاري بها العمل لدى السلطات المغربية المختصة.
وقال البلاغ إن العائلات تلقت “بفرحة وارتياح بالغين” خبر وصول أبنائها إلى أرض الوطن، معتبرة أن هذه العودة تمثل لحظة إنسانية استثنائية بعد سنوات من القلق والخوف والترقب، عاشتها الأسر منذ اعتقال أبنائها داخل الصومال، في ظروف وصفت بـ”القاسية والمعقدة”.
وعبرت العائلات، وفق البلاغ ذاته، عن “خالص الشكر والامتنان للدولة المغربية ولكافة المؤسسات والجهات التي ساهمت في تأمين عودة أبنائها”، معتبرة أن ما تحقق يعكس حرص الدولة المغربية على مواكبة قضايا مواطنيها بالخارج، والتفاعل مع النداءات الإنسانية التي رفعتها الأسر طيلة الفترة الماضية، خصوصا في ظل الوضعية الصحية والنفسية الصعبة التي عاشها المعتقلون داخل السجون الصومالية.
وشدد البلاغ على أن فرحة العودة، رغم أهميتها، “تبقى غير مكتملة”، ما دام المعتقلون ما يزالون تحت الإجراءات القانونية داخل المغرب، داعيا إلى طي الملف بشكل كامل ونهائي، والتعامل معه “من منطلق إنساني وقانوني” يأخذ بعين الاعتبار الأحكام القضائية النهائية الصادرة ببراءتهم من طرف القضاء الصومالي، فضلا عن المعاناة الطويلة التي عاشوها خلال سنوات الاعتقال.
وأكدت العائلات أن المرحلة الحالية تستوجب، بحسب تعبير البلاغ، “لمسة إنسانية إضافية”، تفضي إلى إطلاق سراح المعتقلين الستة وتمكينهم من استعادة حياتهم الطبيعية والانخراط مجددا داخل المجتمع، بعد ما وصفته بـ”التجربة القاسية والمؤلمة” التي خلفت آثارا نفسية وصحية عميقة على المعتقلين وأسرهم.
وأضاف البلاغ أن استكمال مسار “العدالة والإنصاف” يمر عبر إنهاء هذا الملف بصورة نهائية، معتبرا أن عودة المعتقلين إلى أرض الوطن ينبغي أن تتحول إلى “ميلاد جديد” يفتح أمامهم فرصة التعافي والاستقرار، بعد سنوات من الاحتجاز والمعاناة خارج البلاد.
وفي تصريح لـ”الصحيفة”، قالت إحدى العائلات، التي فضلت عدم الكشف عن هويتها، إن السنوات التي قضاها ابنها (م) داخل السجون الصومالية كانت من أقسى الفترات التي عاشتها، مشيرة إلى أنها كانت تتابع يوميا أخبار الصومال بقلق وخوف دائمين، خاصة بعد صدور أحكام بالإعدام في مرحلة سابقة، قبل أن يتم إسقاطها لاحقا بأحكام قضائية نهائية قضت بالبراءة.
وأكدت العائلة أن فرحة عودة ابنها وباقي المعتقلين إلى المغرب منقوصة، ما داموا ما يزالون تحت تدابير الحراسة النظرية، ما يستلزم روحا إنسانية تأخذ بعين الاعتبار سنوات المعاناة النفسية والصحية التي عاشها الشبان داخل السجون الصومالية.
وأوضحت أسر المعتقلين أن أبناءها عادوا إلى المغرب متعبين نفسيا وجسديا بعد تجربة وصفتها بـ”القاسية والمؤلمة”، مشددة على أن المرحلة الحالية يجب أن تفتح أمامهم فرصة جديدة للحياة والاندماج داخل المجتمع، بعد سنوات من الاعتقال والعزلة والخوف.
كما عبرت العائلات عن امتنانها لكل الجهات التي ساهمت في إعادة المعتقلين إلى أرض الوطن، معتبرة أن استكمال مسار العدالة والإنصاف يمر عبر إطلاق سراحهم بشكل نهائي وتمكينهم من استعادة حياتهم الطبيعية إلى جانب أسرهم.
وأضافت العائلات أن هذا الملف “استنزف الأسر نفسيا وماديا لسنوات”، في ظل حالة الترقب المستمرة والخوف من مصير مجهول كان يهدد أبناءها داخل منطقة تعرف اضطرابات أمنية حادة، مؤكدة أن بعض الأمهات “عشن على وقع الانهيار النفسي والقلق اليومي” بسبب انقطاع الأخبار وصعوبة التواصل مع المعتقلين خلال فترات طويلة.
وشددت الأسر على أن ما عاشه المعتقلون داخل السجون الصومالية “لا يمكن اختزاله في مجرد ملف قضائي”، بالنظر إلى ما رافقه من أوضاع إنسانية صعبة، من سوء التغذية وضعف الرعاية الصحية والاكتظاظ والعزلة، معتبرة أن عودتهم إلى المغرب يجب أن تتحول إلى “بداية جديدة” تنهي سنوات الألم والمعاناة.
ويعيد هذا التطور إلى الواجهة تفاصيل ملف ظل يثير جدلا واسعا منذ أواخر سنة 2023، حين اختفى عدد من الشباب المغاربة بعد انتقالهم إلى الصومال في ظروف غامضة، قبل أن تكشف المعطيات لاحقا عن توقيفهم من طرف سلطات إقليم بونتلاند، وتوجيه تهم مرتبطة بالإرهاب والانتماء لتنظيمات متشددة إليهم.
وبحسب ما أكده لـ”الصحيفة” محامون تابعوا الملف، فإن الشبان المغاربة سافروا إلى الصومال بناء على وعود بالعمل في مهن وحرف يدوية مرتبطة بالبناء والكهرباء والزليج، قبل أن يجدوا أنفسهم داخل مناطق تنشط فيها جماعات مسلحة، في ظل هشاشة أمنية معقدة تعرفها المنطقة.
وتشير روايات متقاطعة لعائلات المعتقلين وهيئات حقوقية إلى أن أغلب هؤلاء الشباب لم تكن لديهم سوابق أمنية أو خلفيات مرتبطة بالتطرف، بل إن بعضهم كان يطمح فقط إلى تحسين أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية عبر فرصة عمل خارج المغرب، قبل أن يتحول الأمر إلى ملف أمني وقضائي بالغ التعقيد.
وفي مرحلة أولى، أصدرت محكمة عسكرية صومالية أحكاما بالإعدام في حق المعتقلين، وسط صدمة كبيرة لدى عائلاتهم، غير أن الملف عرف لاحقا تطورات مهمة بعد تدخلات قانونية وحقوقية وإنسانية، خاصة من طرف اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومحامين وهيئات مدنية، حيث تمت إعادة النظر في القضية وإلغاء الأحكام الابتدائية.
وانتهى المسار القضائي داخل الصومال بصدور أحكام نهائية بالبراءة لفائدة المعتقلين الستة، مع الأمر بترحيلهم إلى المغرب، غير أن هذا القرار لم ينه معاناتهم، إذ ظلوا محتجزين داخل السجون الصومالية لأشهر طويلة بعد صدور البراءة، بسبب تعقيدات مرتبطة بإجراءات الترحيل والوثائق والتنسيق بين سلطات بونتلاند والحكومة الفيدرالية الصومالية.
وخلال الأشهر الأخيرة، تحول الملف إلى قضية رأي عام داخل الأوساط الحقوقية المغربية، بعد تصاعد نداءات العائلات والهيئات المدنية المطالبة بالتدخل العاجل لإنهاء معاناة المعتقلين، خاصة مع تداول شهادات ومعطيات صادمة حول ظروف الاحتجاز.
وكشفت عائلات المعتقلين، في خرجاتها الإعلامية، أن أبناءها عاشوا أوضاعا إنسانية صعبة داخل السجون، شملت سوء التغذية، والحرارة المرتفعة، وضعف الرعاية الصحية، والاكتظاظ، وصعوبة التواصل مع العائلات، فضلا عن معاناة نفسية كبيرة بسبب استمرار احتجازهم رغم صدور أحكام قضائية نهائية لصالحهم.
كما تحدثت هيئات حقوقية عن دخول بعض المعتقلين في إضرابات عن الطعام خلال الفترة الماضية، احتجاجا على استمرار احتجازهم، في وقت جرى فيه تداول تسجيلات مصورة من داخل السجن ظهر فيها المعتقلون وهم يناشدون الملك والسلطات المغربية والمنظمات الحقوقية التدخل من أجل إعادتهم إلى المغرب.
واعتبرت فعاليات حقوقية أن هذا الملف يطرح من جديد أسئلة مرتبطة بحماية المواطنين المغاربة العالقين أو المعتقلين في بؤر التوتر والنزاعات المسلحة، وحدود التدخل القنصلي والدبلوماسي في مناطق تعرف هشاشة سياسية وأمنية معقدة، خاصة في ظل غياب تمثيلية دبلوماسية مباشرة للمغرب داخل الصومال.








