بقلم: إلهام وحيد
في أقصى الجهة الشرقية للمغرب، وبين سهولٍ فلاحية ممتدة ورائحة التراب الممزوجة بعرق البسطاء، تستقر مدينة زايو كواحدة من المدن التي لم تنل حظها الكامل من الضوء، رغم ما تختزنه من طاقات إنسانية واجتماعية وثقافية كبيرة.
مدينةٌ تبدو في ظاهرها هادئة وعادية، لكنها في عمقها تحمل حكاية طويلة من الصبر والمقاومة اليومية، وتعيش مفارقة موجعة بين ما تملكه من إمكانيات وما تعانيه من تهميش وإقصاء تنموي.
زايو ليست مجرد نقطة جغرافية تابعة لإقليم الناظور، بل فضاء إنساني تشكل عبر عقود من التعايش والعمل والهجرة والكفاح، حتى أصبحت المدينة مرآةً لتحولات المجتمع المغربي في الهامش؛ حيث تختلط الأحلام البسيطة بخيبات الواقع، ويجاور الأمل شعوراً مزمناً بالنسيان.
البعد الاجتماعي… مجتمع متماسك رغم الصعوبات
يتميّز المجتمع الزايوي بروح التضامن والعلاقات الإنسانية المتينة، فما تزال الروابط العائلية والجيرة تحتفظ بدفئها رغم التحولات الاجتماعية المتسارعة.
فالمدينة، بحكم حجمها المتوسط وطبيعتها المحافظة، ما تزال تحتفظ بشيء من البساطة التي فقدتها المدن الكبرى.
غير أن هذا التماسك الاجتماعي لا يخفي حجم التحديات التي يعيشها السكان، وعلى رأسها:
البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب.
ضعف البنية الصحية والخدمات العمومية.
محدودية فرص الترفيه والتأطير الثقافي.
تنامي الإحساس بالإقصاء لدى فئات واسعة من الشباب.
وقد دفعت هذه الأوضاع كثيراً من أبناء المدينة إلى الهجرة نحو مدن الداخل أو الخارج بحثاً عن فرص أفضل، حتى أصبحت الهجرة جزءاً من الذاكرة الجماعية للأسر الزايوية، ومصدراً رئيسياً لإعالة عدد كبير من العائلات.
ورغم ذلك، يظل سكان زايو متشبثين بمدينتهم، يحملون لها انتماءً عاطفياً عميقاً، يظهر في المبادرات المحلية والعمل الجمعوي وروح التعاون التي تبرز بقوة في المناسبات والأزمات.
الواقع الاقتصادي… إمكانيات كبيرة وفرص مؤجلة.
تعتمد المدينة أساساً على النشاط الفلاحي، إذ تشتهر المنطقة بخصوبة أراضيها وإنتاجها الزراعي المتنوع، خاصة الحوامض والزيتون وبعض الزراعات الموسمية.
كما لعب معمل السكر لسنوات دوراً اقتصادياً واجتماعياً مهماً في تشغيل عدد من أبناء المنطقة وتحريك الدورة الاقتصادية.
لكن الاقتصاد المحلي ظل محدوداً وهشاً بسبب:
ضعف الاستثمارات الكبرى.
غياب مناطق صناعية حقيقية.
قلة المشاريع الموجهة للشباب.
الاعتماد على الاقتصاد الموسمي.
ضعف البنية التجارية مقارنة بمدن مجاورة.
ولهذا تعاني المدينة من بطء في الحركة الاقتصادية، ما ينعكس مباشرة على مستوى العيش وفرص الشغل.
ومع ذلك، فإن زايو تمتلك مؤهلات واعدة يمكن أن تجعلها قطباً تنموياً مهماً إذا توفرت الإرادة والتخطيط، ومن ذلك:
موقعها الجغرافي القريب من الناظور وبركان.
مؤهلاتها الفلاحية.
وجود جالية كبيرة بالخارج قادرة على الاستثمار.
قربها من المشاريع الاقتصادية الكبرى التي تعرفها جهة الشرق.
إن المشكلة الحقيقية ليست في غياب الإمكانيات، بل في غياب رؤية تنموية عادلة تجعل من المدينة جزءاً من الدينامية الاقتصادية الوطنية.
المشهد الثقافي… طاقات مبدعة تبحث عن فضاء.
رغم محدودية الإمكانيات، تعرف زايو حراكاً ثقافياً وأدبياً ملحوظاً تقوده جمعيات محلية وطاقات شبابية تحاول أن تصنع للحياة معنى وسط التهميش.
في المدينة شعراء وكتاب وفنانون ومبدعون يكتبون من قلب المعاناة اليومية، ويحولون الألم إلى نصوص وقصائد ولوحات وأصوات مقاومة للنسيان.
كما تعرف بعض المبادرات الثقافية حضوراً مهماً، خصوصاً في مجالات:
الشعر والأدب.
المسرح المدرسي.
الأنشطة الجمعوية.
الموسيقى والفن المحلي.
لكن هذا الحراك يظل محدود الأثر بسبب:
غياب بنية ثقافية قوية.
قلة الفضاءات الفنية.
ضعف الدعم والتأطير.
غياب استراتيجيات حقيقية لاكتشاف المواهب.
ومع ذلك، فإن الثقافة في زايو ليست ترفاً، بل شكل من أشكال الدفاع عن الحياة، ومحاولة مستمرة لإثبات أن المدن الصغيرة قادرة أيضاً على إنتاج الجمال والمعرفة.
الشباب بين الحلم والانكسار.
يُعد الشباب الفئة الأكثر تأثراً بواقع المدينة.
فكثير منهم يعيش حالة من الضياع بين شهادات لا تفتح أبواب العمل، وأحلام تصطدم بضعف الإمكانيات.
ومع غياب فضاءات الاحتضان والتكوين، يجد بعض الشباب أنفسهم أسرى للفراغ والإحباط والهجرة القسرية، بينما يختار آخرون المقاومة عبر المبادرات الفردية والعمل الجمعوي والإبداع الفني.
إن شباب زايو لا يحتاج فقط إلى وظائف، بل إلى:
الثقة.
التأطير.
فضاءات للإبداع.
فرص عادلة لإثبات الذات.
فالطاقات موجودة، لكنها تحتاج فقط إلى من يراها.
المرأة في زايو… حضور صامت وقوة خفية.
تلعب المرأة الزايوية دوراً أساسياً في الحفاظ على تماسك الأسرة والمجتمع، سواء داخل البيت أو في العمل أو في المجال الجمعوي.
ورغم التحولات التي عرفها المجتمع، ما تزال كثير من النساء يواجهن تحديات مرتبطة بـ:
محدودية فرص العمل.
ضعف التكوين.
النظرة التقليدية أحياناً.
غياب فضاءات الدعم والتمكين.
لكن السنوات الأخيرة شهدت بروز نماذج نسائية ناجحة في مجالات الثقافة والتعليم والعمل الجمعوي، وهو ما يعكس تحولات مهمة داخل المجتمع المحلي.
إن تمكين المرأة في زايو لا ينبغي أن يُنظر إليه كمطلب فئوي، بل كشرط أساسي لأي نهضة حقيقية.
بين الواقع والمستقبل.
زايو اليوم ليست مدينة ميؤوساً منها، كما أنها ليست مدينة مكتملة النمو.
إنها مدينة تقف في منطقة رمادية بين الإمكان والتعثر، بين الحلم والإهمال.
وربما ما تحتاجه أكثر من أي شيء آخر هو:
عدالة مجالية حقيقية.
مشاريع تنموية مستدامة.
استثمار في الإنسان قبل الحجر.
دعم الثقافة والتعليم والشباب.
إشراك السكان في صنع مستقبل مدينتهم.
فالمدن لا تنهض فقط بالإسمنت والطرقات، بل تنهض حين يشعر سكانها أن لهم مكاناً في المستقبل.
ورغم كل شيء، ما تزال زايو تقاوم بصمت.
تفتح محلاتها كل صباح، يذهب أطفالها إلى المدارس، يزرع فلاحوها الأرض، يكتب شعراؤها القصائد، وتحلم أمهاتها بحياة أقل قسوة لأبنائهن.
ولهذا، فإن زايو ليست مجرد مدينة مهمشة.
بل مدينة تنتظر فقط من يصغي جيداً إلى نبضها الخافت، ليكتشف أن تحت هذا الصمت حياةً كاملة تستحق أن تُروى، وأن تُنصف.








