بسم الله الرحمن الرحيم
وجدانيات الأستاذ الحسين أقليد، عنوان هذه الوجدانية : السي مصطفى بوبوح ،أستاذ يذكي جذوة الأمل و الطموح رحم الله روحًا كانت تمشي بيننا هادئة وقورة، و تغرس في النفوس من القيم الفاضلة ما لا تمحوه السنون .
أكتب اليوم شهادة حق ، لا مجاملة فيها و لا تزيَّد ،في رجل من رجال التعليم، عرف بالكفاءة و الإخلاص، و بنقاء السريرة و صفاء المعدن، لقد كان الفقيد العزيز مصطفى بوبوح – رحمه الله – أستاذًا بحق، لا يكتفي بإلقاء الدروس، بل يصنع من الحروف جسورًا إلى القلوب ، و من المعرفة نورًا يبدد ظلمات الجهل، كان إذا دخل القسم، دخله بعلم و هيبة ، و إذا خرج ترك في الأرواح أثرًا لا يُمحى، و في العقول بصمات من الفهم الرصين .
أما في مجال المسؤولية، فقد كان مثالا يحتذى في الأمانة و الانضباط، حين تقلد مسؤولية أمين المال في أول مكتب لجمعية آباء التلاميذ بثانوية حسان بن ثابت بزايو، فحفظ الأمانة كما تحفظ الودائع الثمينة، و أدارها بعقل راجح و ضمير حي ، لا تزل به قدم ، و لا تغريه مغريات ، كان يرى في كل درهم عهدًا، و في كل مسؤولية رسالة .
اجتمعت فيه خصال حميدة ؛ تواضع لا ينقص من قدره ، و وقار يزيده رفعة، و صدق يشبه النقاء الأول، و عطاء لا ينتظر جزاءً و لا شكورًا ، كان قريبًا من الجميع، كبيرًا في أعينهم ، لأن القلوب تعرف من يستحقها .
رحم الله السي مصطفى بوبوح ، ذلك الرجل الذي لم يكن عابرًا في سجل التعليم ، بل كان سطرًا مضيئا في كتاب الوفاء و العطاء، لم يكتف بأن يكون أستاذًا يلقن الدروس ، بل روحًا تسقي قبل أن تُعلم ، و تبذل قبل أن تطالب.
أي يد تلك التي امتدت ذات زمن عسير ، فشقت للماء طريقًا من سقايات سيدي عثمان إلى ثانوية حسان بن ثابت بزايو على امتداد مسافة طويلة من الصبر و الإصرار ؟ كأنه لم يكن ينقل ماء فحسب، بل كان ينقل الحياة إلى عطاش العلم ، و يغرس في الأرض معنى المسؤولية النبيلة في زمن كانت فيه زايو تترقب قطرة ماء ، كان هو يسابق الحاجة بالفعل ، و يكتب بعمله ما تعجز عنه الخطب .
لم يقف عطاؤه عند حدود المؤسسة ، بل جاوزها إلى قلوب التلاميذ ،يلمس خفايا معاناتهم ، و يجبر كسر الفقر بما تيسر من عون و رعاية، كان يرى في كل تلميذ أملًا ، و في كل مساعدة واجبًا .
أما في الناس ، فقد كان دومًا قريبًا، يأنس بهم و يأنسوا به، فإذا جلس في المقهى لم تكن جلسته لهوًا عابرًا ، بل كانت مجلس ذاكرة حية تستعاد فيها حكايات زايو ، و تروى فيها سير الرجال و الأيام ، كان حديثه جسرًا بين الماضي و الحاضر، و وجهه مرآة طيبة تعكس صفاء قلبه .
هكذا كان السي مصطفى بوبوح أستاذًا إذا حضر أضاء، و أمينًا إذا تولى وفّى، رحل جسده ، و بقي أثره نهرًا لا ينضب، و ذكرًا طيبًا يتردد في القلوب كما يتردد خرير الماء في السواقي ، نسأل الله أن يتغمده برحمته الواسعة، و أن يجعل كل ما قدم نورًا يضيء له درب الخلود ، إنا لله و إنا إليه راجعون ، و السلام ختام .








