بقلم الوردي سعيد
في زمن تتعظام فيه التحديات البيئية و تتسارع فيه التحولات الكونية ، حيث أصبحت قضايا المناخ و استدامة الموارد في صميم الاهتمام الدولي ، تبرز شخصيات وطنية وازنة استطاعت أن تجمع بين الكفاءة العلمية و الالتزام الأخلاقي ، و أن تكرّس مسارها لخدمة الصالح العام بروح عالية من المسؤولية . و من بين هذه النماذج المشرّفة ، يسطع اسم الدكتور عبد القادر أجعير ، ابن مدينة زايو ، المنتمي إلى سلالة كبدانة العريقة ، بما تحمله من إرث حضاري و قيمي أصيل ، ليشكّل نموذجا يُحتى به في الجمع بين العلم و العمل ، و بين الصرامة المهنية و النبل الإنساني .
لقد كان المسار العلمي للدكتور عبد القادر أجعير منطلقا راسخا لبناء شخصية متوازنة ، قوامها التحصيل الرصين و الانفتاح الواعي . فقد حصل على الإجازة و دبلوم الدراسات المعمقة من جامعة محمد الأول بوجدة ، قبل أن يتوج هذا المسار بالحصول على شهادة الدكتوراه من معهد الحسن الثاني للزراعة و البيطرة، و هو تكوين مكّنه من استيعاب عميق للإشكاليات البيئية في أبعادها العلمية و التقنية و الإنسانية . و لم يكن العلم لديه غاية في ذاته ، بل وسيلة للارتقاء بالفعل التنموي و خدمة المجتمع .
و في بداياته المهنية ، اختار أن يكون في محراب المعرفة ، أستاذا بكلية العلوم بوجدة ، حيث أسهم في تأطير الطلبة و غرس روح البحث العلمي لديهم ، قبل أن ينفتح على العمل الدولي من خلال توليه رئاسة مشروع برنامج الأمم المتحدة للتنمية PNUD ، المدعوم من طرف البنك الدولي و الوكالة الألمانية للتعاون الدولي GIZ . و قد شكلت هذه التجربة محطة فارقة ، صقلت مهاراته القيادية ، ووسعت آفاقه في فهم آليات تدبير المشاريع التنموية وفق مقاربات حديثة ترتكز على النجاعة و الاستدامة .
و مع التحاقه سنة 1998 بالوزارة المكلفة بالبيئة و التنمية المستدامة ، انخرط في مسار مهني حافل بالعطاء ، تقلد خلاله مناصب متعددة ، من بينها رئاسة مصلحة التربة و النفايات ، ثم رئاسة مصلحة المعايير ، حيث كان له إسهام وازن في تطوير المنظومة الوطنية للمعايير البيئة ، و في تعزيز آليات تدبير النفايات و حماية الموارد الطبيعية . و قد تميز في كل هذه المسؤوليات بروح المبادرة ، و دقة الأشغال ، و الحرص على تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية و صون البيئية .
و يشغل اليوم منصب رئيس قسم المعايير و الشؤون القانونية بوزارة الإنتقال الطاقي و التنمية المستدامة ، و هو منصب يجمع بين البعد القانوني و التقني ، و يعكس حجم الثقة التي يحظى بها داخل المؤسسة . كما يضطلع بمهام مفتش الشرطة البيئية على الصعيد الوطني ، في إطار ترسيخ احترام القوانين البيئية لدى مختلف الفاعلين .

كما امتد إشعاعه إلى المستوى الإقليمي ، من خلال شغله منصب المنسق الوطني لشبكة سويب – نت، الشبكة المعنية بحماية البيئة و التنمية المستدامة بمنطقة شمال إفريقيا و الشرق الأوسط ، و المدعومة من طرف البنك الدولي و الوكالة الألمانية للتعاون الدولي ، حيث ساهم في مد جسور التعاون و تبادل الخبرات بين الدول ، مؤمنا بأن القضايا البيئية لا تعرف بالحدود ، و أن العمل المشترك هو السبيل الأمثل لمواجهتها .
و قد توج هذا المسار الغني بتعيينه عضوا في عدد من الهيئات و اللجان الوطنية ذات الطابع الاستراتيجي ، من بينها اللجنة المعينة من طرف رئيس الحكومة لدراسة المقترحات القانونية المحالة من البرلمان ، و اللجنة الوطنية المكلفة بدراسة الأثر الاقتصادي و الاجتماعي و البيئي لمشاريع القوانين ، إضافة إلى عضويته في المجلس الإداري للوكالة الوطنية للنجاعة الطاقية ، في تجسيد واضح لثقة المؤسسات في كفاءته و نزاهته .
و على الصعيد الدولي ، كان سفيرا للكفاءة المغربية ، حيث مثل المغرب في أكثر من خمسين مؤتمرا و منتدى دولي حول البيئة و التنمية المستدامة ، و أسهم في نقل التجربة المغربية و التفاعل مع التجارب العالمية . كما كُلّف بتتبع و تقييم عدد من الاتفاقيات الدولية الكبرى ، من بينها اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغيرات المناخية ، و اتفاق برشلونة لحماية البحر الأبيض المتوسط من التلوث .
غير أن ما يميز الدكتور عبد القادر أجعير ، إلى جانب كفاءته العلمية و مساره المهني الزاخر ، هو ما يتحلى به من أخلاق رفيعة و حس إنساني عميق ، جعلاه محل تقدير و احترام زملائه و كل من اشتغل معه . فهو نموذج للمسؤولين المتواضع ، القريب من محيطه المهني ، الحريص على العمل بروح الفريق ، و المؤمن بأن النجاح الحقيقي لا يُقاس بالمناصب ، بل بما يتركه الإنسان من أثر طيب في نفوس الآخرين . و قد أكسبه هذا السلوك الراقي محبة واسعة داخل محيطه المهني ، حيث يُشهد له بحسن المعاملة ، و نبل الأخلاق و الاستعداد الدائم لتقديم الدعم و المشورة .
إن الحديث عن الدكتور عبد القادر أجعير هو في جوهره ، حديث عن نموذج مغربي مشرف ، استطاع أن يزاوج بين الصرامة العلمية و الالتزام الأخلاقي ، و بين الكفاءة المهنية و البعد الإنساني ، مساهما بذلك في خدمة قضايا البيئة و التنمية المستدامة ، و في ترسيخ صورة إيجابية عن الأطر الوطنية القادرة على العطاء و التأثير . و هو بذلك ليس فقط مسؤولا ناجحا ، بل قيمة إنسانية و مهنية تستحق كل تقدير و إشادة ، و نموذج يُلهم الأجيال الصاعدة للسير على درب العلم و العمل و الإخلاص .








