بقلم سعيد الوردي
الأستاذ حسن الطاهري ، ابن زايو ، المولود سنة 1964 ، ليس مجرد اسم عابر في سجل الفن التشكيلي المغربي ، بل هو سيرة إنسان آمن بأن الجمال رسالة ، و بأن الفن فعل وجود و مقاومة صامتة في وجه العادي و المألوف . هو من أولئك الذين لا يرفعون أصواتهم ، لكن أعمالهم تتكلم عنهم ببلاغة أصدق من الكلام ، و تكتب حضورهم على جدران الزمن بخطوط لا تمحى .
نشأ الطاهري و في داخله ميل فطري نحو الرسم ، كأن يده خُلقت لتمسك بالقلم لا لتكتب فقط ، بل لتبدع و تُشكل و تمنح الحياة للخطوط . في طفولته ، كان يقلد شخصيات الرسوم المتحركة ، غير مدرك أن تلك المحاكاة البسيطة كانت في حقيقتها تدريبا مبكرا على الرؤية ، و على التقاط التفاصيل ، و على الإصغاء الخفي لنداء الفن في داخله . و مع تقدمه في السن ، لم يخفت ذلك النداء ، بل ازداد وضوحا و عمقا، حتى صار قدرا جماليا لا فكاك منه .
في شبابه ، انفتح على عوالم الخط العربي و الزخرفة ، حيث وجد في الحرف سرا يتجاوز المعنى اللغوي إلى أفق بصري رحب . و كان للقائه بأستاذ عراقي أثر بالغ ، إذ هداه مفاتيح الدقة و عرّفه بأسرار التكوين ، و علّمه كيف يصغي إلى توازن الخط كما يصغي الموسيقي إلى النغمة . هناك ، بدأ الحرف يتحول بين يديه إلى كائن حي ، يتنفس ، و يتمدد ، و يراوغ، و يُفصح عما لا تقوله الكلمات .
و مع تراكم التجربة ، لم يكتف الطاهري بالتقليد أو التكرار ، بل راح يشق لنفسه مسارا خاصا ، فامتزجت في أعماله النقطية بالهندسة ، و تعانقت الرمزية مع التجريد ، في لغة تشكيلية تُحاور العين و العقل معا . لقد أصبح فضاء اللوحة لديه ساحة للتأمل ، حيث تتوزع العناصر بوعي صارم ، لكن بروح حرة ، و كأن كل عمل هو محاولة لإعادة ترتيب العالم وفق إيقاع داخلي خاص .
وكان لتجربته مع أحد صنّاع السجاد أثر عميق في توسيع رؤيته ، إذ فتحت له تلك التجربة أبواب الفن الشرقي التقليدي ، بما يحمله من غنى زخرفي و عمق رمزي . و من خلال اطلاعه على كتاب _ الفن العربي _ للمستشرق بريص دافين ، ازداد وعيه بجذور هذا الفن و امتداداته ، فصار يستلهم التراث لا ليكرره ، بل ليعيد قراءته بلغة معاصرة ، تحافظ الروح و تُجدد الشكل .
و بصفته أستاذا و رسام جداريات ، اختار الطاهري أن يُخرج الفن من عزلة القاعات إلى رحاب الفضاء العام ، فصارت الجدران بين يديه دفاتر مفتوحة ، يخط عليها نبض الناس ، و يُجسًد فيها تفاصيل الحياة اليومية بلمسة شاعرية عميقة . في جدارياته ، يلتقي الشعبي بالرمزي ، و العفوي بالمدروس ، فتنبثق أعمال قريبة من القلب ، لكنها لا تخلو من عمق يدعو إلى التأمل . تتشكل الخطوط في لوحاته تارة كأطياف تجريدية ، و تارة كرموز مشحونة بالدلالة ، ضمن توجه سوريالي يجعل الإنسان محورا لكل سؤال جمالي و وجداني .
و قد عزز حضوره من خلال مشاركاته في ملتقيات فنية وازنة ، حيث شارك في الملتقى الدولي للفنون التشكيلية بالقنيطرة إلى جانب الفنان الراحل محمد البوكيلي ، كما كان له حضور بالمسرح الملكي بمراكش مع جمعية مملكة الفن ، و شارك في ملتقى فن الرمال بكل من بركان و رأس الماء ، و هي محطات لم تكن مجرد مشاركات عابرة ، بل كانت فضاء للتفاعل ، و التلاقح ، و اختبار الذات في مرآة الآخر.
و لأن الفن عنده رسالة قبل أن يكون ممارسة ، فقد انخرط الطاهري في تأطير ورشات فنية داخل المؤسسات التعليمية ، من الإبتدائي و الإعدادي و الثانوي ، مؤمنا بأن الجمال يُربّى كما تُربّى القيم ، و بأن الطفل الذي يتعلم كيف يرى العالم بعين فنية ، هو إنسان يُدرك المعنى قبل الشكل ، و الجوهر قبل المظهر .
غير أن ما يميز حسن الطاهري ، إلى جانب موهبته و تجربته ، هو ذاك البعد الإنساني العميق الذي يسكن شخصيته . فهو إنسان دمث الخلق ، لين المعشر ، قريب من القلوب ، يحمل في تعامله صفاء نادرا و تواضعا صادقا ، يجعل حضوره مريحا كنسمة ، و هادئا كصلاة . لا يتعالى بفنه ، بل يزداد به إنسانية ، و لا يجعل من إبداعه جدارا يفصله عن الناس ، بل جسرا يصل به إليهم . في ملامحه هدوء العارف ، و في كلماته حكمة المجرب ، و في سلوكه أثر تربية أصيلة تجسّد معنى الفن كقيمة أخلاقية قبل أن يكون تعبيرا جماليا .
و على امتداد أكثر من ثلاثين سنة من العطاء ، ظل الأستاذ حسن الطاهري وفيا لخياره ، صابرا على دربه ، يراكم التجربة دون ضجيج ، و يصوغ عالمه البصري بصدق نادر . عالم تتنفس فيه الخطوط ، و تنبض فيه الأشكال ، و تُحكى من خلاله قصة إنسان لم يبحث عن الشهرة بقدر ما بحث عن المعنى .
هكذا يظل الأستاذ حسن الطاهري شاهدا على أن الفن الحقيقي لا يُقاس بما يُقال عنه ، بل بما يتركه في النفس من أثر ، و بما يزرعه في الروح من دهشة . إنه فنان يكتب بالحبر و اللون ، لكنه في العمق … يكتب بالإنسان .













سي حسن غني عن التعريف
حفظ الله الأستاذ المحترم سي حسن الطاهري
تحية تقدير واحترام لهذا الفنان الموهوب الذي نكن له كل تقدير واحترام بكل صدق واعتراف للجميل الاستاذ حسن الطاهري كانت له بصمت ذهبية بمدينة زايو واسهامات كبير ومساهمات جليلة مع الجمعيات والمؤسسات التعليمية والإدارات العمومية والشبه عمومية من خلال إسهاماته في كتابة اللافتات في مختلف المناسبات واللوحات الجدرانية في مختلف المناسبات واعطاؤه داخل هذه المدينة لا يمكن أن يحصى في دقائق معدودة ولا بأحرف محصورة فهو فنان تشكيلي مميز يستحق التقدير والاحترام داخل هذه المدينة ويستحق التفاة متميز وتكريم يليق بعطائه وهي دعوة لمن يهمه الامر للاحتفاء بهذا الفنان المتميز للاعتراف بجميله وفنه
بالرغم من هروب كل الفنانين عن مدينة الموت ( بوليزايو) بسبب سوء تسيير القطاع الثقافي و… فإن سي حسن يحفر بأسنانه قبل يديه ليعبر عن طاقته النيرة ومدرسته النموذجية في مجال الفنون الحديثة .و الحمد لله أنه اشتهر في الدول العربية ، ولم نسمع قط عن أي مسؤول بمدينة الموت أن يلتفت إلى هذا الرجل الجميل ، والخلوق .
سيدي حسن ، أنا آسف عن كون أبناء جلدتك لا يقدرون جهودك إلا عندما يريدون تزيين جدرانهم المهترئة .
سيدي حسن ، لك أرفع قبعتي بكل تقدير واحترام