زايو سيتي
لم تكن خسارة بروكسيل سباق «عاصمة الثقافة الأوروبية 2030» نهاية قصة فاطمة زيبوح، بل محطة جديدة في مسار امرأة ارتبط اسمها خلال السنوات الأخيرة بأحد أبرز المشاريع الثقافية التي شهدتها العاصمة البلجيكية. ففي 24 شتنبر 2026، أُعلن عن حل جمعية «Molenbeek 2030»، بعد عام من اختيار لوفان لاحتضان لقب عاصمة الثقافة الأوروبية لعام 2030، ليُسدل بذلك الستار على مشروع قادته زيبوح لسنوات إلى جانب “يان غوسنس”.
وتحمل قصة زيبوح جانباً آخر يرتبط بجذور عائلتها في منطقة تفرسيت بالريف، وبمسار أسرة هاجرت إلى بلجيكا قبل عقود، ووفق المعطيات المتداولة حول سيرتها، وُلدت فاطمة في بلجيكا، لكنها ظلت مرتبطة بجذور عائلتها الريفية، في وقت كان مسارها الشخصي يعكس تحولات عرفتها أجيال من أبناء المهاجرين في أوروبا.
فوالدها اشتغل في مجال الكهرباء، بينما لم تتمكن والدتها من ولوج المدرسة أما فاطمة، فكانت أول فتاة في الأسرة تصل إلى الجامعة، حيث وجدت نفسها أمام محيط اجتماعي وثقافي مختلف عن البيئة التي نشأت فيها.
اختارت دراسة العلوم السياسية وحقوق الإنسان، قبل أن تواصل مسارها الأكاديمي بالحصول على الدكتوراه في العلوم السياسية والاجتماعية، من خلال بحث تناول التعبيرات الثقافية والفنية للأقليات، وبعد ذلك توزع نشاطها بين البحث والعمل المدني وقضايا الهجرة والتنوع والمشاركة المجتمعية.
وفي يناير 2023، دخل اسمها مرحلة جديدة بعدما وقع عليها الاختيار، إلى جانب يان غوسنس، لقيادة ملف ترشيح بروكسيل لاحتضان لقب «عاصمة الثقافة الأوروبية» سنة 2030، عقب مسطرة انتقاء مفتوحة.
لم يكن المشروع يقتصر على تنظيم تظاهرات ثقافية وفنية، بل ارتبط برؤية تقوم على تقديم منطقة مولنبيك وبروكسيل باعتبارهما فضاءً متعدد اللغات والثقافات والهويات، مع محاولة تحويل هذا التنوع إلى أحد عناصر القوة في ملف الترشيح.
وبالتزامن مع ذلك، وجدت زيبوح نفسها في قلب نقاش سياسي ومجتمعي حول حضورها في المشروع، خصوصاً بسبب ارتدائها الحجاب وكونها امرأة مسلمة من أصول مغربية، وسرعان ما تجاوز النقاش حدود البرنامج الثقافي ليصل إلى قضية الحياد في المؤسسات والوظائف المرتبطة بالمجال العام.
وانقسمت المواقف بشأن حضورها في المشروع، بين من ركز على خبرتها ومسارها الأكاديمي والمهني، ومن أثار مسألة الحجاب وعلاقتها بمفهوم الحياد، ووصل النقاش إلى المؤسسات السياسية المحلية، لتصبح زيبوح نفسها جزءاً من الجدل الذي كان المشروع يسعى، في أحد أبعاده، إلى تقديمه باعتباره نقاشاً حول التعدد الثقافي داخل بروكسيل.
ورغم ذلك، استمر العمل على ملف الترشيح، وتمكنت بروكسيل، عبر مشروع مولنبيك، من الوصول إلى المرحلة النهائية إلى جانب مدينتي “لوفان ونامور”.
وفي 24 شتنبر 2025، حسمت لجنة الخبراء المنافسة باختيار لوفان لتمثيل بلجيكا عاصمة للثقافة الأوروبية سنة 2030، لتنتهي بذلك رحلة ترشيح بروكسيل التي استمرت لسنوات.
لكن زيبوح وغوسنس لم يضعا حداً للمشروع مباشرة بعد الخسارة، بل حاولا الحفاظ على جزء من الشبكة والمبادرات التي تشكلت حوله، وفي مارس 2026، أطلقا مبادرة «Sadaka Tea» في وسط بروكسيل، في محاولة للإبقاء على التواصل مع الجمهور والحفاظ على بعض عناصر المشروع خارج إطار المنافسة الرسمية.
غير أن استمرار الجمعية واجه لاحقاً صعوبات مرتبطة بالتمويل والظروف السياسية، لتنتهي التجربة في 24 شتنبر 2026 بالإعلان عن حل جمعية «Molenbeek 2030».
وهكذا وجدت فاطمة زيبوح نفسها أمام نهاية مزدوجة لمسار المشروع: خسارة لقب «عاصمة الثقافة الأوروبية» أولاً، ثم توقف الجمعية التي حاولت مواصلة جزء من الفكرة بعد الخسارة.
ومع ذلك، فإن مسارها لا يختزل في نتيجة تلك المنافسة، فمن أسرة تنحدر من الريف وهاجرت إلى بلجيكا، شقت زيبوح طريقها نحو الجامعة والدكتوراه والعمل المدني، قبل أن تصل إلى موقع قيادة مشروع ثقافي واسع في العاصمة البلجيكية.
وبين تفرسيت التي ترتبط بها جذور عائلتها، وبروكسيل التي أصبحت مجالاً لمسارها الأكاديمي والمهني، تختصر تجربتها جانباً من تحولات أجيال الهجرة في أوروبا، حيث تتقاطع الهوية والأصل والتعليم والعمل العام داخل مسارات شخصية تتجاوز الحدود الجغرافية لجيل الآباء.
انتهى مشروع «Molenbeek 2030»، لكن المسار الذي قاد فاطمة زيبوح إليه يظل حافلاً بمحطات تعكس رحلة طويلة من ابنة أسرة مهاجرة إلى واحدة من الوجوه التي ارتبط اسمها بمشروع ثقافي كان يطمح إلى تقديم صورة مختلفة عن بروكسيل وتنوعها.








