زايوسيتي
ينتمي التاريخ الرياضي الحقيقي للمدن الصغرى إلى تفاصيل رجالٍ صنعوا الفرح من العدم، وبنوا بأجسادهم وعشقهم الخالص مجداً كروياً لا يمحوه النسيان.
وفي مدينة زايو، يتربع اسم الحارس الاستثنائي المرحوم الطيب بوبوح، المعروف شعبيّاً بلقب “ولد حنا”، على عرش الذاكرة الجماعية كواحد من أعظم من حرسوا العرين الأبيض والأزرق لاتحاد زايو خلال حقبتي الستينيات والسبعينيات.
”ولد حنا”.. براعة الفطرة وسحر الاختصاص
لم تكن حراسة المرمى في زمن “ولد حنا” تعتمد على التكوين الأكاديمي والتجهيزات الحديثة، بل كانت وليدة الموهبة والجرأة المفرطة. فبرغم قصر قامته، تميز الطيب بوبوح برشاقة مذهلة ومرونة فائقة جعلت الجماهير تصفه بالحارس الذي “يجلب الكرة من الزاوية 90”.
لقد كان بحق متخصصاً بارعاً في التصدي لضربات الجزاء، ومقاتلاً شجاعاً داخل مربع عمليات، يعشق الساحرة المستديرة لحد الجنون.
ويعود جزء من شغفه العارم بهذه الرياضة في حقبة الستينيات إلى صداقته الخاصة مع الطبيب الإسباني الذي كان يعمل بمصحة زايو آنذاك، والذي كان بدوره لاعباً شغوفاً بكرة القدم، لتتلاقى ثقافات حب اللعبة على عشب ملاعب المدينة البدائية.
جيل عمالقة “اتحاد زايو”: تلاحم الأرجل والأسماء
لم يبرز “ولد حنا” من فراغ، بل كان حلقة أساسية في سلسلة ذهبية ضمت أهراماً كروية خدمت إطار اتحاد زايو بكل تفانٍ وإخلاص. فقد جاور الطيب ثلة من الأساطير والوجوه التي بصمت تلك المرحلة بحروف من نور، ومن أبرزهم:
المرحوم مزيان عمراوي والمرحوم أحمد البدوي، اللذان شكلا عموداً فقرياً للروح القتالية في الفريق.
الحارس الثاني عبد الواحد القضاوي، الذي تقاسم معه حماية العرين بوفاء كبير.
أسماء أخرى طبعت الذاكرة الشعبية مثل: شوارق بنعيسى، بنعيسى عدو، أحمد بلبكاي، البشير ضرضور، موحا (محند) سلامة، محمد العامري (المشهور بـ “بوعزة”)، ومنور (بولنوار) النهاري، إلى جانب آخرين ممن سكنوا وجدان المشجعين.
قسوة الظروف وخاتمة رجل شجاع
وكثيراً ما كانت الظروف الصحية والاجتماعية أقسى من أحلام الرياضيين في ذلك الزمن. فعلى الرغم من براعته، عانى “ولد حنا” قيد حياته من مخلفات إصابات ملاعب الزمن الغابر، كآلام الكتف المزمنة التي كانت تباغته وسط المباريات.
وبعد إسدال الستار على مسيرته الكروية الحافلة، خاض الحارس الراحل رحلة هجرة قصيرة نحو إسبانيا، لم يطُل بها مقامه طويلاً، ليعود إلى الوطن محاطاً بظروف نفسية صعبة، قضاها جزء منها في بني أنصار قبل أن يوافيه الأجل المحتوم، تاركاً خلفه سيرة عطرة وإنساناً عُرف ببشاشته، وحيويته، وطيب معشره.
وفاء الذاكرة لرموز زايو
إن استحضار مسار الطيب بوبوح “ولد حنا” اليوم ليس مجرد نبش في سجلات الماضي الرياضي لاتحاد زايو، بل هو التفاتة وفاء لجيل كامل أنجبته مدينة زايو ليؤسسوا للهوية الكروية والرياضية للمنطقة. لقد رحل “ولد حنا” وبقي أثره خالداً في وجدان كل من عاين قفزاته المذهلة ورعشات الفرح التي صنعها على امتداد أجيال الزمن الجميل.











