زايو سيتي
لم تكن العلاقة التي جمعت المسرحي ابن مدينة زايو فخر الدين العمراني بالشاعر والمحامي والكاتب المسرحي الراحل الحسين القمري مجرد علاقة عابرة جمعت بين فاعلين في المشهد الثقافي بالريف، بل تحولت إلى أمانة ثقافية لا يزال العمراني يحملها إلى اليوم، بعدما عهد إليه الراحل بمجموعته الكبيرة من الكتب، والتي يناهز عددها 5600 كتاب بثلاث لغات، على أساس أن تؤول في نهاية المطاف إلى مكتبة مفتوحة أمام العموم.
وحسب ما يرويه فخر الدين العمراني، في حواره مع “زايو سيتي” فإن الحسين القمري، الذي كان من الأسماء البارزة في الحركة الثقافية والمسرحية بالناظور والريف، اختاره تحديداً لحمل هذه الأمانة، وأهداه هذا الرصيد المعرفي الكبير، مع توصية واضحة بأن يتم التبرع بالكتب لمكتبة عمومية، سواء كانت تحت وصاية وزارة الثقافة أو مجلس بلدي، حتى لا تبقى هذه الأخيرة حبيسة مكان خاص، وإنما تتحول إلى رصيد ثقافي يستفيد منه الطلبة والباحثون والقراء وأبناء المنطقة.
5600 كتاب.. هِبة تحوّلت إلى أمانة ثقافية
الكتب التي تركها الحسين القمري لفخر الدين العمراني لا تمثل، بحسب هذا الأخير، مجرد مجموعة من المؤلفات، بالنظر إلى حجمها وتنوعها، وإنما تشكل رصيداً ثقافياً ومعرفياً مهماً، خصوصاً أنها تضم مؤلفات بثلاث لغات، ويمكن أن تشكل نواة لمكتبة عمومية تستفيد منها فئات واسعة من المجتمع.
ويقول العمراني إن القمري لم يكن يبحث عن مستفيد شخصي من مكتبته، بل كان حريصاً على أن تجد هذه الكتب طريقها إلى مؤسسة عمومية تحفظها وتضعها رهن إشارة العموم.
ومن هنا جاءت وصيته للعمراني بالتبرع بها لمكتبة تكون تحت إشراف مؤسسة عمومية، سواء وزارة الثقافة أو مجلساً بلدياً، وهي الوصية التي يقول المسرحي إنه ظل متمسكاً بها منذ أن تحمّل هذه المسؤولية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا اختار الحسين القمري فخر الدين العمراني بالذات لحمل هذه الأمانة؟
العمراني يربط ذلك بالعلاقة الثقافية والإنسانية الوطيدة التي جمعته بالراحل، وبالثقة التي كانت قائمة بينهما، خصوصاً أنهما التقيا في فضاء الثقافة والمسرح والإبداع، وكان العمراني من الأسماء التي ساهمت في الحركة المسرحية والثقافية بالمنطقة.
من وصية شخصية إلى مشروع مكتبة بالناظور
بدلاً من الاكتفاء بحفظ الكتب، اختار فخر الدين العمراني أن يُحول وصية الراحل إلى مشروع ثقافي أكثر شمولاً، وذلك من خلال السعي إلى تأسيس مكتبة بمدينة الناظور تحتضن هذا الرصيد وتجعله متاحاً أمام العموم.
ومنذ سنة 2019، يقول العمراني إنه بدأ طرق أبواب الجهات المعنية، حاملاً معه فكرة إنشاء مكتبة تكون فضاءً لحفظ كُتب الحسين القمري وإتاحتها للقراء والباحثين والطلبة.
غير أن المبادرة، وفق روايته، اصطدمت منذ البداية بمجموعة من العراقيل، في مقدمتها غياب التجاوب الفعلي من الجهات المسؤولة، رغم تعدد المحاولات والاتصالات والمراسلات.
ويقول العمراني إنه ظل لأكثر من خمس سنوات يطالب بإخراج المشروع إلى حيز الوجود، غير أن مساعيه لم تلق، بحسب تصريحه، الاستجابة التي كان ينتظرها، وهو ما جعله يشعر بأن المبادرة تصطدم بما يشبه الآذان الصماء.
وعود بإحداث المكتبة.. لكنها بقيت حبراً على ورق
ولا يخفي العمراني أنه تلقى في مرحلة سابقة وعوداً بإمكانية إخراج مشروع المكتبة إلى الواقع، خصوصاً خلال فترة تولي سليمان حوليش رئاسة جماعة الناظور.
وحسب المعطيات التي يقدمها العمراني، فقد جرى الحديث حينها عن إمكانية إيجاد صيغة لاحتضان الكتب وإحداث فضاء مكتبي يضمن حفظها والاستفادة منها، غير أن تلك الوعود لم تتجسد في مشروع فعلي، وظلت، في نهاية المطاف، دون نتيجة ملموسة.
وبذلك وجد العمراني نفسه أمام مفارقة لافتة: آلاف الكتب موجودة، ووصية واضحة من صاحبها، ومبادرة قائمة منذ سنوات، لكن المكتبة التي يمكن أن تحتضن هذا الرصيد لم تر النور.
خطر التلف يلاحق آلاف الكتب
ومع مرور السنوات، لم يعد الأمر بالنسبة للعمراني مجرد تأخر في تنفيذ مشروع ثقافي، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بمصير الكتب نفسها، خصوصاً أن بقاء آلاف المؤلفات بعيداً عن فضاء مكتبي ملائم يجعلها عرضة للتلف والضياع مع مرور الوقت.
ويرى العمراني أن إنشاء المكتبة لم يعد ترفاً ثقافياً، وإنما أصبح ضرورة لحماية هذا الرصيد الذي تركه أحد أبناء المنطقة، وتحويله من مجرد كتب محفوظة في مكان ما إلى ذاكرة ثقافية مفتوحة أمام المجتمع.
فالمشروع، كما يقدمه العمراني، لا يتعلق فقط بإيجاد مكان لـ5600 كتاب، وإنما بإحياء جزء من الذاكرة الأدبية والفكرية والمسرحية للمنطقة، وتمكين الأجيال الجديدة من الوصول إلى مؤلفات كان الراحل حريصاً على ألا تبقى حكراً على الأفراد.
العمراني: الأمانة يجب أن تصل إلى أصحابها الحقيقيين
ويؤكد فخر الدين العمراني، من خلال هذا المسار، أن الأمانة التي حملها عن الحسين القمري لا تكتمل بمجرد الاحتفاظ بالكتب، وإنما بإيصالها إلى الغاية التي أرادها صاحبها.
فالقمري، وفق رواية العمراني، لم يترك الكتب له من أجل الاستفادة الشخصية منها، بل اختاره ليكون حلقة وصل بين مكتبته الخاصة وبين مؤسسة ثقافية عمومية، وهو ما جعل العمراني يخوض منذ سنوات مساعي تأسيس المكتبة.
غير أن طول فترة الانتظار يطرح اليوم سؤالاً حول الجهة التي يمكن أن تتبنى هذه المبادرة، خصوصاً أن الأمر يتعلق برصيد يناهز 5600 كتاب، كان من الممكن أن يشكل نواة لمكتبة ثقافية مهمة بمدينة الناظور.
هل تجد مكتبة الحسين القمري طريقها إلى النور؟
بعد أكثر من خمس سنوات على انطلاق مبادرة فخر الدين العمراني، لا تزال المكتبة التي كان يفترض أن تحتضن كتب الحسين القمري خارج الوجود، فيما تستمر آلاف الكتب في انتظار حلّ يضمن حفظها واستعمالها بالشكل الذي أوصى به صاحبها.
وبالنسبة لفخر الدين العمراني، فإن القضية لا تتعلق فقط بـ5600 كتاب، وإنما بـأمانة تركها الحسين القمري، وبمشروع ثقافي طال انتظاره، وبسنوات من طرق الأبواب دون أن يجد، وفق روايته، التجاوب المطلوب.
ويبقى مشروع مكتبة الحسين القمري، كما يقدمه فخر الدين العمراني، واحداً من الملفات الثقافية التي تنتظر التفاتة جادة من الجهات المعنية؛ التفاتة قد تحول وصية رجل راحل إلى فضاء حي، وتحول آلاف الصفحات الصامتة إلى أصوات تقرأها أجيال قادمة.








