زايوسيتي
أصبح الزواج في المغرب يتخذ ملامح جديدة، تتسم بالتأخر في السن، وارتفاع التكاليف، وكثرة الحسابات المسبقة. فخلف مظاهر الحداثة في اختيار الشريك، تستمر الضغوط الاجتماعية وتضخم نفقات الأعراس في إعادة رسم ملامح مؤسسة ما تزال مركزية، لكنها أضحت أكثر تعقيدا وكلفة.
المؤشرات الديموغرافية خلال السنوات الأخيرة تعكس هذا التحول؛ إذ ارتفعت نسبة العزوبة الدائمة من 5,9% سنة 2014 إلى 9,4% سنة 2024، فيما عرف سن الزواج الأول ارتفاعا ملحوظا مقارنة بعقود سابقة، رغم تسجيل انخفاض طفيف مؤخراً ليستقر عند 24,6 سنة لدى النساء سنة 2024. هذه الأرقام لا تعني تراجع أهمية الزواج، بقدر ما تعكس تغيرا في شروطه ومعاييره.
وبحسب السوسيولوجيين المغاربة فإن أبرز التحولات تتمثل في انتقال قرار الزواج من العائلة إلى الفرد. فبعدما كان الزواج تحالفا بين أسر، أصبح اليوم قائما بشكل أكبر على اختيار شخصي مبني على التوافق والمشروع المشترك. ومع ذلك، تؤكد أن الضغط الاجتماعي ما يزال حاضرا بقوة، خاصة على النساء، إذ يظل الزواج محطة “منتظرة” ضمن جدول زمني غير معلن تفرضه نظرة المجتمع.
التحول الأكبر برأي المتتبعين يكمن في تضخم التكاليف. فقد تحولت مصاريف الزواج إلى مؤشر على المكانة الاجتماعية، بعدما كانت المراسم أكثر بساطة في السابق. اليوم تشمل التكاليف كراء القاعات، خدمات التموين، الفرق الموسيقية أو منسقي الأغاني، “النكافة”، التجميل، تعدد الأزياء، الزينة، إضافة إلى الصداق وتجهيز بيت الزوجية وفق معايير الراحة الفورية. وغالبا ما تتجاوز حتى الأعراس “البسيطة” سقف 100 ألف درهم (10 مليون سنتيم) دون احتساب السكن، ما يجعل بعض الأزواج يبدأون حياتهم بديون تثقل كاهلهم.
هذا العبء المالي قد لا يفسر وحده تراجع معدلات الإنجاب، لكنه يشكل عاملا مؤثرا في تأجيل قرار الزواج والإنجاب معا. فالكثير من الشباب يربطون الإقدام على الزواج بالاستقرار المادي الكامل، بما في ذلك القدرة على تحمل تكاليف تعليم الأبناء ومتطلبات الحياة الحديثة.
في المقابل، برزت توجهات جديدة، مثل الاكتفاء بعقد القران أو تنظيم حفلات محدودة لتقليص المصاريف. غير أن هذه المبادرات تصطدم أحيانا برغبة العائلات في الحفاظ على الطابع الاحتفالي التقليدي، ما يعكس استمرار الطابع الجماعي للحدث رغم تصاعد خطاب الاستقلالية الفردية.
ورغم كل هذه التحولات، لا يبدو أن الزواج في المغرب يفقد مكانته، بل يعيد تشكيل نفسه بين الحداثة والتقاليد. فهو لم يعد مجرد خطوة اجتماعية تلقائية، بل قرارا يخضع لحسابات دقيقة، وتوازنات بين الرغبة الشخصية، وانتظارات الأسرة، والقدرة المالية.
في النهاية، قد لا يكون الزواج ترفا في جوهره، لكنه يتحول إلى ذلك حين تغلب المظاهر على الجوهر، ويثقل برمزية اجتماعية وتكاليف تفوق طاقة الكثيرين.








