سعيد قدوري
يشهد سوق القنب الهندي في هولندا تحولات لافتة، بدأت تنعكس على مكانة الحشيش المغربي الذي ظل لسنوات طويلة من أبرز المنتجات المستوردة في هذا البلد الأوروبي، الذي يعد من أشهر الأسواق المرتبطة باستهلاك القنب الهندي.
وتشير معطيات متداولة إلى تراجع قيمة الحشيش المغربي داخل السوق الهولندية، في ظل تنامي الإنتاج المحلي، الذي بات يشكل منافسا قويا للمنتوج القادم من المغرب، خاصة مع دخول السلطات الهولندية على خط تنظيم زراعة القنب وتوزيعه.
مقاهي Coffee Shops.. من التسامح إلى تنظيم الإنتاج
ظلت هولندا معروفة بسياسة التسامح مع بيع واستهلاك القنب الهندي داخل مقاه متخصصة تعرف باسم “Coffee Shops”، والتي تنتشر في عدد كبير من المدن الهولندية، وتخضع لشروط قانونية محددة.
غير أن المفارقة التي طبعت السياسة الهولندية لسنوات تمثلت في السماح ببيع القنب داخل هذه المقاهي وفق شروط معينة، مقابل استمرار حظر زراعته وتزويده عبر القنوات التجارية التقليدية.
ولمعالجة هذه الإشكالية، أطلقت الحكومة الهولندية تجربة لتنظيم سلسلة إنتاج وتوزيع القنب الهندي، بمشاركة عشرة منتجين مرخصين وعشرة أقاليم، حيث انطلقت المرحلة التجريبية رسميا في 7 أبريل 2025.
وبموجب هذه التجربة، أصبح بإمكان المقاهي المشاركة الحصول على القنب الهندي من منتجين مرخصين، وفق نظام يخضع للمراقبة وتتبع الجودة، بهدف الحد من ارتباط هذا النشاط بالسوق غير القانونية.
الإنتاج الهولندي يزاحم الحشيش المغربي
أدى توسع زراعة القنب الهندي داخل هولندا إلى بروز منتوج محلي يعرف باسم “نيدرويت” (Nederwiet) بالنسبة للماريجوانا المزروعة محليا، فيما يتداول اسم “سكونك” (Skunk) للدلالة على بعض الأصناف القوية من القنب.
وبحسب معطيات معهد “Trimbos” الهولندي، فإن أكثر من 80 في المائة من منتجات القنب المعروضة في المقاهي الهولندية مصدرها الزراعة المحلية، بينما تتكون النسبة المتبقية أساسا من الحشيش المستورد، الذي يأتي معظمه من المغرب.
وهذا المعطى يكشف حجم التحول الذي عرفه السوق الهولندي، بعدما أصبح الإنتاج المحلي يحتل حصة مهمة من المعروض، في وقت لا يزال فيه الحشيش المغربي حاضرا ضمن المنتجات المستوردة.
أسعار تثير الانتباه.. كم تبلغ قيمة الكيلوغرام؟
وفق الأرقام المتداولة بشأن الأسعار، تصل قيمة الكيلوغرام الواحد من أجود أنواع الحشيش المغربي في السوق الهولندية إلى حوالي 4 آلاف أورو، أي ما يعادل نحو 4 ملايين سنتيم مغربي.
وفي المقابل، تشير المعطيات المتداولة إلى أن بعض أنواع القنب المزروع محليا، والمعروفة باسم “سكونك”، تصل قيمتها إلى حوالي 7 آلاف أورو للكيلوغرام الواحد.
وتظل هذه الأرقام تقديرات متداولة وليست أسعارا رسمية أو مؤشرات موحدة للسوق، كما أن المقارنة بين الحشيش المغربي وأصناف القنب الهولندي تستوجب التمييز بين الحشيش المستخرج من راتنج النبتة وبين أزهار القنب المعروفة بالماريجوانا.
وفي هذا السياق، كشفت نتائج بحث نشره معهد “Trimbos” في شتنبر 2026 أن أسعار القنب لم تتطور في اتجاه واحد داخل البلديات المشاركة في التجربة؛ إذ انخفض متوسط سعر الماريجوانا، بينما ارتفع متوسط سعر الحشيش بشكل ملحوظ. وهو ما يعني أن تنظيم الإنتاج المحلي لم يؤد بالضرورة إلى انخفاض أسعار جميع المنتجات.
هل يفقد المغرب أحد أسواقه التقليدية؟
التحولات التي تشهدها هولندا تطرح تساؤلات بشأن مستقبل الحشيش المغربي في الأسواق الأوروبية، خاصة أن اعتماد البلدان المستهلكة على الإنتاج المحلي قد يقلص تدريجيا حاجتها إلى الاستيراد، أو يغير طبيعة المنتجات التي يقبل عليها المستهلكون.
ومع ذلك، لا يمكن الحديث عن اختفاء الحشيش المغربي من السوق الهولندية، إذ تؤكد المعطيات البحثية استمرار حضوره ضمن المنتجات المستوردة، بل إن الحشيش المستورد لا يزال يحتفظ بمكانته في فئة مهمة من المعروض.
وبالنسبة للمغرب، فإن هذه التطورات تفتح النقاش حول مستقبل المناطق التي ارتبط اقتصادها تاريخيا بزراعة القنب الهندي، ومدى تأثير التحولات الأوروبية على سلاسل الإنتاج والتسويق، خصوصا في ظل توجه عدد من الدول نحو تنظيم الإنتاج المحلي.
فهل تكون الزراعة الهولندية بداية تراجع الحشيش المغربي في أحد أبرز أسواقه الأوروبية؟ أم أن المنتوج المغربي سيحافظ على مكانته بفضل خصوصياته وجودته وارتباطه بطلب المستهلكين؟.








