زايو سيتي
لم تعد مظاهر التوسع العمراني غير المنظم بجماعة رأس الماء مجرد تفاصيل يمكن التغاضي عنها، بل أصبحت تثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل المدينة، ومدى احترام قواعد التهيئة والتعمير، وحقيقة الدور الذي قامت به الجهات المفترض فيها حماية المجال الحضري من الاختلالات.
فرأس الماء، التي تتوفر على مؤهلات طبيعية وسياحية مهمة، كان يفترض أن يشكل نموها العمراني فرصة لبناء مدينة متكاملة، تجمع بين جمالية الفضاءات وجودة السكن وتنظيم الأحياء. غير أن واقع بعض التجمعات السكنية يطرح صورة مغايرة، عنوانها ممرات ضيقة، وشوارع تفتقر إلى الحد الأدنى من التنظيم، وغياب واضح للفضاءات الخضراء والتجهيزات التي يحتاجها السكان في حياتهم اليومية.
أحياء سكنية بلا مقومات المدينة
من أكثر المظاهر التي تستدعي الانتباه وجود ممرات داخل بعض الأحياء لا يتجاوز عرضها مترين، وهو وضع يطرح علامات استفهام حول ظروف نشأة هذه التجمعات، ومدى مراعاتها لمتطلبات السلامة والولوجيات وشروط العيش الكريم.
فالتوسع العمراني لا ينبغي أن يقتصر على تقسيم الأراضي إلى بقع سكنية وإقامة المباني فوقها، بل يفترض أن يندرج ضمن تصور متكامل يضمن وجود طرق ملائمة، ومرافق عمومية، ومساحات خضراء، وممرات تسمح بالتنقل السلس، وتراعي حاجيات مختلف فئات السكان.
أما حين تتقدم البنايات بينما تتراجع المساحات المخصصة للطرق والتجهيزات، فإن المدينة تجد نفسها أمام واقع عمراني يصعب تصحيحه لاحقا، وتصبح الساكنة أول من يدفع ثمن اختيارات لم تكن طرفا في اتخاذها.
وتزداد خطورة هذا الوضع عندما يتعلق الأمر بإمكانية وصول سيارات الإسعاف والوقاية المدنية إلى بعض المساكن، إذ إن ضيق الممرات قد يشكل عائقا أمام التدخل السريع في الحالات الطارئة، وهو ما يجعل احترام معايير التعمير مسألة تتجاوز الجانب الجمالي إلى حماية الأرواح والممتلكات.
في قلب هذا النقاش يبرز ملف المضاربة العقارية، وما يثار بشأن الدور المحتمل لبعض المتدخلين في توجيه التوسع العمراني نحو منطق تجاري ضيق، يجعل من بيع الأراضي والبقع السكنية أولوية، على حساب متطلبات التخطيط الحضري المتوازن.
غير أن تحديد المسؤوليات في هذا الملف لا يمكن أن يقوم على الاتهامات وحدها، بل يحتاج إلى معطيات دقيقة بشأن كيفية تقسيم الأراضي، والتراخيص الممنوحة، والتصاميم المعتمدة، ومدى احترامها للقوانين والضوابط الجاري بها العمل.
فإذا ثبت وجود تجاوزات أو استغلال للثغرات القانونية من أجل تحقيق أرباح على حساب المصلحة العامة، فإن الأمر يستوجب التدقيق والمساءلة. ذلك أن المجال الحضري ليس مجرد سلعة تجارية، بل فضاء مشترك تتحدد من خلاله جودة حياة السكان ومستقبل الأجيال القادمة.
والأخطر أن أي اختلال في مرحلة التخطيط أو التقسيم قد يتحول، مع مرور السنوات، إلى مشكلة بنيوية يصعب علاجها دون تكاليف مالية كبيرة أو تدخلات معقدة، بينما كان بالإمكان تفاديها منذ البداية عبر المراقبة الصارمة واحترام التصاميم.
إذا كان واقع بعض الأحياء يثير كل هذه التساؤلات، فإن المسؤولية لا ينبغي أن تتوقف عند البحث عن أسماء البائعين والمشترين، بل يتعين أن تمتد إلى مختلف مراحل تدبير المجال العمراني.
من هي الجهات التي أشرفت على عمليات التقسيم والتجهيز؟ وهل جرى احترام تصاميم التهيئة والضوابط القانونية؟ وما مدى انتظام عمليات المراقبة؟ وهل توجد اختلالات موثقة تستوجب فتح تحقيق وتحديد المسؤوليات؟
هذه أسئلة مشروعة تستحق أجوبة واضحة من الجهات المعنية، وفي مقدمتها المصالح المختصة بالتعمير والسلطات التي تتولى مراقبة احترام القوانين، كل في حدود اختصاصاته.
ولا يعني ذلك تحميل أي جهة مسؤولية مسبقة، بل إن المطلوب هو كشف حقيقة ما جرى، والتمييز بين الاختلالات التي قد تكون ناتجة عن ضعف التخطيط وتلك التي يمكن أن ترتبط بتجاوزات محتملة أو تقصير في المراقبة.
فغياب المحاسبة، متى ثبت وجود مخالفات، من شأنه أن يكرس استمرار الممارسات نفسها، ويجعل أي حديث عن إصلاح المجال الحضري مجرد وعود لا تنعكس على حياة المواطنين.
إن ما يجري طرحه بشأن التوسع العمراني بالمدينة ينبغي أن يشكل مناسبة لإعادة تقييم وضع الأحياء التي تعاني من ضيق الممرات ونقص التجهيزات، والعمل على تحديد مكامن الخلل واقتراح حلول واقعية، بدل ترك المشاكل تتفاقم إلى أن تصبح معالجتها أكثر صعوبة.
ويمكن أن تبدأ هذه الخطوة بإجراء تقييم ميداني للأحياء المعنية، والتحقق من مدى مطابقة عمليات البناء والتقسيم للتراخيص والتصاميم المعتمدة، مع تحديد حاجيات السكان من الطرق والإنارة والتطهير والمساحات الخضراء والمرافق الأساسية.
كما أن حماية ما تبقى من جمالية رأس الماء تقتضي اعتماد رؤية عمرانية تستحضر مؤهلاتها الطبيعية والسياحية، وتمنح الفضاءات العامة مكانتها المستحقة، عوض اختزال التنمية في التوسع الإسمنتي وتكاثر المباني.
فرأس الماء ليست مجرد رقعة جغرافية قابلة للاستثمار العقاري، بل مدينة يفترض أن يكون نموها العمراني رافعة لتحسين ظروف العيش وتعزيز جاذبيتها، لا سببا في تراجع جودة المجال الحضري.
لقد آن الأوان لفتح نقاش جدي حول حصيلة التعمير بالمدينة، والكشف عن حقيقة الاختلالات التي تعرفها بعض أحيائها، وتحديد المسؤوليات بناء على الوقائع والوثائق، مع اتخاذ التدابير الضرورية لتفادي تكرارها.
فمن حق سكان رأس الماء أن يعرفوا كيف تشكلت هذه الأحياء، ومدى احترامها للقانون، وما الذي ستقوم به الجهات المختصة لمعالجة الاختلالات القائمة.
إن إنقاذ جمالية المدينة لا يتحقق بالشعارات، بل بتخطيط محكم، ومراقبة فعلية، وتطبيق للقانون على الجميع، وإرادة واضحة تجعل مصلحة السكان ومستقبل المدينة فوق أي اعتبار آخر.


