زايو سيتي
لم يعد معبر بني أنصار الرابط بين إقليم الناظور ومدينة مليلية يقتصر على دوره في تنظيم حركة المسافرين ومراقبة الحدود، بل أصبح ضمن تصورات عمرانية جديدة تروم إعادة تهيئة المدخل الشمالي للإقليم، وربط المنشآت الحدودية والمينائية بالنسيج الحضري لمدينة بني أنصار.
ويأتي هذا التوجه في إطار تصميم التهيئة الخاص ببحيرة مارتشيكا، الذي تمت المصادقة عليه بموجب المرسوم رقم 2.26.744 الصادر بتاريخ 16 شتنبر 2026، والمنشور بالجريدة الرسمية في 28 من الشهر نفسه. ويتضمن التصميم منطقة مشروع مستقلة تحمل الرمز ZP12 تحت اسم «باب بني أنصار»، مخصصة لإعادة تأهيل مركز العبور ومحيطه، وفق معايير دولية، مع تحسين تهيئة الفضاءات المجاورة.
ويعكس إدراج المعبر ضمن هذا المخطط توجهاً نحو التعامل معه باعتباره جزءاً من المجال الحضري للمدينة، وليس مجرد منشأة حدودية وأمنية، بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي ودوره في استقبال المسافرين القادمين إلى إقليم الناظور، فضلاً عن تأثير حركة العبور على الأحياء والطرق المحيطة به.
وفي الوقت الذي يتجه فيه الجانب المغربي نحو تأهيل المجال المحيط بالمعبر، شهد الجانب الإسباني بدوره تحديثاً لمنظومة المراقبة الحدودية. فقد خصصت وزارة الداخلية الإسبانية برنامجاً بغلاف مالي مبرمج يبلغ 10 ملايين و635 ألفاً و573 يورو، بتمويل أوروبي يصل إلى 75 في المائة، لتطوير تجهيزات المراقبة بمعبر بني أنصار في إطار نظام الدخول والخروج الأوروبي المعروف اختصاراً بـEES.
وشملت التجهيزات الإسبانية أنظمة للتعرف البيومتري، وبوابات آلية، ووسائل للتحقق من هوية المسافرين، بهدف تحديث إجراءات المراقبة الحدودية وتدبير حركة العبور، ودخل النظام حيز التشغيل بالمعبر خلال أكتوبر 2025، ضمن عملية التعميم التدريجي للنظام على الحدود الأوروبية.
أما مشروع «باب بني أنصار»، فلا تتضمن المعطيات الواردة بشأنه تفاصيل دقيقة حول التجهيزات المزمع اعتمادها أو الكلفة الإجمالية للأشغال أو موعد انطلاقها، لكنه يحدد توجهاً واضحاً نحو إعادة تأهيل المعبر ومحيطه، مع إعطاء الأولوية للوظائف الإدارية والأمنية.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية بالنظر إلى الضغط الذي يعرفه المعبر خلال فترات الذروة، خصوصاً في فصل الصيف، حين ترتفع حركة المسافرين والسيارات بين ضفتي المتوسط. وقد برزت هذه الإكراهات مجدداً خلال الصيف الماضي، بعدما أدى إغلاق المعبر لمدة قاربت 36 ساعة، في نهاية يوليوز وبداية غشت، إلى تكدس مئات السيارات وتعطل عبور عدد من المسافرين القادمين عبر ميناء مليلية، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الإسبانية «إيفي».
وتكشف معطيات عملية عبور المضيق لسنة 2026 عن حجم الحركة الموسمية المرتبطة بمليلية، إذ سجلت السلطات الإسبانية مرور 251 ألفاً و704 مسافرين و57 ألفاً و791 سيارة خلال العملية، بزيادة بلغت 18.5 في المائة بالنسبة للمسافرين و19.3 في المائة بالنسبة للسيارات، مقارنة بسنة 2025.
وتتعلق هذه الأرقام بحركة العبور البحري عبر مليلية، ولا تمثل إحصاءً مباشراً لمستخدمي معبر بني أنصار، غير أنها تعكس حجم التدفقات التي يتعين على البنية الحدودية استيعابها خلال موسم الصيف، وما يرافق ذلك من تحديات مرتبطة بتنظيم حركة المرور والانتظار.
ولا يقتصر مخطط مارتشيكا على إعادة تأهيل المعبر، بل يدرج مشاريع عمرانية أخرى من شأنها إعادة تشكيل أجزاء من مدينة بني أنصار. ومن بين هذه المشاريع «محج بني أنصار»، الذي يحمل الرمز ZP11، ويستهدف إحداث مركز حضري متعدد الوظائف، يضم ساحة عمومية كبيرة وأنشطة تجارية وفندقية ومواقف للسيارات، إلى جانب قطب للنقل متعدد الوسائط وامتداد حضري في اتجاه كورنيش المدينة.
كما يتضمن التصميم مشروعاً ثالثاً يحمل الرمز ZP13، يتعلق بتحويل المجال الخلفي لميناء بني أنصار إلى مركز حضري جديد، بعد نقل الأنشطة القائمة وإعداد المخطط التنفيذي بتنسيق مع الوكالة الوطنية للموانئ. ويرتقب أن يشمل هذا المشروع أنشطة تجارية وخدماتية وسياحية، فضلاً عن فضاءات عمومية، مع تخصيص منطقة لتنظيم تدفقات السيارات العائدة خلال عملية «مرحبا».
وتضع هذه المشاريع الثلاثة المعبر والميناء والمجال الحضري ضمن تصور عمراني متكامل، يستهدف إعادة تنظيم العلاقة بين مختلف هذه المكونات، بما يسمح بتحسين حركة التنقل وتطوير الخدمات والفضاءات العمومية. غير أن تحقيق هذا الهدف يظل مرتبطاً بمدى التنسيق بين المشاريع، وبكيفية إدماجها في الحياة اليومية للسكان، خاصة في ما يتعلق بحركة السير ومواقف السيارات والضغط الذي تعرفه المدينة خلال المواسم السياحية.
وعلى المستوى الاقتصادي، يطرح تأهيل المعبر تساؤلات بشأن انعكاساته المحتملة على المبادلات التجارية بين المغرب ومليلية. فقد استؤنفت خلال سنة 2025 بعض العمليات التجارية الجمركية بين الجانبين، غير أن وتيرتها ظلت محدودة.
وفي مارس 2026، أعلنت السلطات الإسبانية تسجيل 46 حركة للبضائع منذ بداية السنة، شملت 42 عملية استيراد نحو مليلية وأربع عمليات تصدير منها. وتوضح هذه الأرقام أن تطوير البنية التحتية الحدودية لا يعني بالضرورة عودة المبادلات التجارية إلى مستويات سابقة، إذ يرتبط ذلك أيضاً بالإجراءات الجمركية والتنظيمية ومدى التنسيق بين السلطات المعنية.
ومع ذلك، فإن تحسين تنظيم المعبر وربطه بالميناء والمحاور الطرقية والمشاريع الحضرية المحيطة به يمكن أن يوفر ظروفاً أنسب لتطوير الأنشطة التجارية والخدماتية، ويعزز جاذبية المدينة للاستثمارات المحلية.
ورغم المصادقة على تصميم التهيئة، فإن إدراج مشروع «باب بني أنصار» ضمن الوثيقة التنظيمية لا يعني انطلاق الأشغال بشكل فوري. فالمعطيات المتاحة بشأن المشروع لا تحدد كلفته الإجمالية أو موعد بدء تنفيذه أو المدة اللازمة لإنجازه.
كما ينص الإطار التنظيمي لمشاريع مارتشيكا على إعداد مخططات تنفيذية للمناطق المندمجة، تحدد مراحل الإنجاز وكيفية التنفيذ والجهات المتدخلة، قبل استكمال التراخيص والإجراءات المعمول بها.
وبذلك، تبقى الخطوة المنتظرة هي الكشف عن البرنامج التنفيذي لإعادة تأهيل معبر بني أنصار، ومصادر تمويله، وطبيعة المنشآت والتجهيزات التي سيشملها، إلى جانب التدابير التي ستعتمد لضمان استمرار حركة العبور خلال فترة الأشغال.
وبين تحديث منظومة المراقبة على الجانب الإسباني والتوجه نحو إعادة تأهيل المجال الحضري على الجانب المغربي، يفتح مشروع «باب بني أنصار» الباب أمام مرحلة جديدة في تدبير الواجهة الحدودية لإقليم الناظور. غير أن أثره الفعلي سيظل مرتبطاً بما ستسفر عنه مراحل التنفيذ، ومدى انعكاسها على ظروف عبور المسافرين وتنظيم حركة السيارات وتحسين ارتباط المعبر بمحيطه الحضري والمينائي.








