زايو سيتي
لم تكن مغادرة نجاة الهاشمي للناظور وهي في الثامنة من عمرها مجرد انتقال عائلي إلى بلد آخر، بل كانت بداية لمسار طويل بين لغتين وثقافتين، انتهى بها إلى أن تصبح واحدة من الأسماء المعروفة في الأدب الكتالوني والإسباني المعاصر.
ولدت نجاة الهاشمي سنة 1979 بإقليم الناظور، قبل أن تنتقل سنة 1987 رفقة أسرتها إلى كتالونيا، حيث كان والدها قد قصد إسبانيا للعمل. وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياتها داخل المجتمع الكتالوني، التحقت خلالها بالمدرسة وتعلمت اللغتين الإسبانية والكتالونية، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى التعليم الجامعي.
اختارت الهاشمي دراسة اللغة العربية والفلسفة العربية بجامعة برشلونة، وهو تكوين أتاح لها الاقتراب من الثقافة العربية من جهة، والعيش داخل الثقافة الكتالونية والإسبانية من جهة أخرى. ومع مرور السنوات، تحولت هذه الازدواجية الثقافية إلى عنصر أساسي في تجربتها الأدبية.
لكن نجاة لم تكتفِ بالكتابة عن تجربة المهاجرين من موقع الملاحظة، بل جعلت من أسئلة الانتماء والهوية والأسرة والاندماج مادة متكررة في أعمالها، مستفيدة من تجربتها الشخصية ومن معرفتها بالثقافتين العربية والكتالونية.
في سنة 2004، أصدرت أول أعمالها الأدبية بعنوان «أنا أيضاً كتالونية»، وهو الكتاب الذي تناولت من خلاله تجربة فتاة من أصول مغربية تعيش في كتالونيا، وما يرافق ذلك من أسئلة مرتبطة بالهوية والانتماء والعلاقة بين الأصل والمجتمع الذي نشأت فيه.
هذا العمل شكل بداية حضورها في المشهد الأدبي الكتالوني، قبل أن تعزز مكانتها بعد أربع سنوات من خلال رواية «البطريرك الأخير»، الصادرة سنة 2008، والتي تناولت من خلالها علاقة السلطة داخل الأسرة، خصوصاً سلطة الأب، وأثارت نقاشاً حول عدد من القضايا المرتبطة بالمجتمع المغربي.
ولم يتوقف مسارها عند هذا الحد، إذ واصلت إصدار أعمال أدبية تناولت من خلالها موضوعات المرأة والهجرة والعلاقات الأسرية والهوية، من بينها رواية «البنت الأجنبية»، التي نالت بدورها جائزة أدبية كتالونية، لتتوالى بعدها المحطات التي كرست حضورها داخل الساحة الأدبية.
وتحولت نجاة الهاشمي تدريجياً من كاتبة مرتبطة بأدب الهجرة إلى اسم حاضر في المشهد الأدبي الأوسع، بعدما أصبحت أعمالها جزءاً من النقاش الثقافي في كتالونيا وإسبانيا، سواء بسبب الموضوعات التي تطرحها أو بسبب موقعها ككاتبة ذات جذور مغربية تكتب باللغة الكتالونية.
وفي سنة 2021، بلغت تجربتها محطة بارزة بفوزها بجائزة «نادال» عن روايتها «El lunes nos querrán» (يوم الإثنين سيحبوننا)، وهي من الجوائز الأدبية المعروفة في إسبانيا. وتناولت الرواية مسار شابتين من أصول مهاجرة، وما يرافق حياتهما من قيود اجتماعية وأسئلة مرتبطة بالحرية والهوية والاندماج.
وبالتوازي مع الكتابة، شاركت الهاشمي في عدد من الأنشطة والمشاريع الثقافية داخل كتالونيا، وهو ما جعل حضورها يتجاوز إصدار الكتب إلى المساهمة في الحياة الثقافية المحلية.
ويختصر مسار نجاة الهاشمي جانباً من التحولات التي عرفها الأدب الإسباني والكتالوني مع حضور أصوات جديدة تنحدر من أسر مهاجرة. فمن طفلة غادرت الناظور في ثمانينيات القرن الماضي، إلى كاتبة اختارت اللغة الكتالونية للتعبير عن أسئلة الهوية والانتماء، أصبح اسمها مرتبطاً بمسار أدبي يمتد بين المغرب وإسبانيا.
وبين الناظور التي ولدت فيها وكتالونيا التي نشأت ودرست وكتبت فيها، ظلت ثنائية الثقافة حاضرة في تجربتها، ليس باعتبارها مجرد خلفية لسيرتها، وإنما باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لفهم مشروعها الأدبي.









الجوائز الكبرى تُمنح أحياناً كأداة “قوة ناعمة”. فالاحتفاء بكاتبة تنتقد مجتمعها المسلم يمنح المجتمعات الغربية شعوراً بالرضا عن الذات، ويؤكد السردية التي تقول إن “الشرق أو المسلمين يعيشون في ظلام، والغرب هو واحة النور والحرية التي تنقذ الضحايا”.