زايو سيتي
لم يكن محمد بنزاكور يتوقع أن تقوده معاناة والدته الصحية إلى واحد من أبرز أعماله الأدبية، ولا أن تتحول ذاكرة والده، القادم من الريف إلى هولندا في ستينيات القرن الماضي، إلى كتاب آخر يوثق جانباً من تاريخ الهجرة المغربية إلى أوروبا.
ولد بنزاكور بمدينة الناظور سنة 1972، قبل أن ينتقل في طفولته رفقة والدته وإخوته إلى هولندا، حيث كان والده قد سبق الأسرة في إطار موجة العمال المغاربة الذين توجهوا إلى أوروبا خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بحثاً عن فرص العمل.
كان الأب ينحدر من منطقة الريف، وعمل في هولندا داخل مصنع للزيوت، بينما ظلت علاقته بالمغرب والمنطقة التي جاء منها حاضرة في ذاكرته وحكاياته. والأهم أن الأب والأم لم يكونا يعرفان القراءة والكتابة، في مفارقة ستصبح لاحقاً واحدة من أبرز سمات مسار ابنهما.
درس محمد بنزاكور علم الاجتماع، وخاض تجربة مهنية قصيرة في مجال الوظيفة، قبل أن ينتقل إلى الصحافة والكتابة، حيث نشر مقالات وأعمدة وبدأ اسمه يحضر تدريجياً في المشهد الثقافي الهولندي.
غير أن التحول الأهم في مساره الأدبي ارتبط بظرف عائلي صعب.
فبعد خضوع والدته لعملية جراحية، أصيبت بجلطة دماغية أفقدتها القدرة على الكلام وأثرت في حركتها، لتنتقل إلى مؤسسة للرعاية في هولندا. وهناك أصبح ابنها يقضي ساعات طويلة إلى جانبها، يتحدث إليها بينما كانت عاجزة عن الرد.
وكانت والدته، إلى جانب معاناتها الصحية، لا تتحدث الهولندية، ما جعل ابنها يتولى شرح احتياجاتها للعاملين في المؤسسة، والدفاع عن خصوصيتها ومراعاة بعض التفاصيل المرتبطة بعاداتها وثقافتها ودينها.
لكن تلك الساعات الطويلة بجانب سرير والدته دفعت بنزاكور إلى الكتابة. وللتغلب على ثقل الصمت، بدأ يدون خواطر وأفكاراً على قصاصات صغيرة من الورق، من دون أن تكون لديه في البداية نية لتحويلها إلى كتاب.
ومع مرور الوقت، أدرك أحد أصدقائه أن هذه النصوص تحمل مشروعاً أدبياً، لتتحول القصاصات في نهاية المطاف إلى كتاب «Yemma»، الذي صدر سنة 2013.
لم يكن العمل مجرد سيرة لامرأة مريضة، بل تناول من خلال علاقة الابن بأمه قضايا متعددة تتقاطع فيها الهجرة والشيخوخة والرعاية الصحية والاختلاف الثقافي والديني، إلى جانب التحول العاطفي الذي يطرأ على علاقة الابن بأمه عندما يصبح هو من يتولى رعايتها.
وحصل الكتاب سنة 2014 على جائزة “E. du Perronprijs” عن سنة 2013، قبل أن تنتقل قصته لاحقاً إلى المسرح والتلفزيون، ليأخذ العمل مساراً يتجاوز حدود الكتاب نفسه.
لكن قصة بنزاكور مع والديه لم تتوقف عند «Yemma».
فبعد ظهور الكاتب في التلفزيون للحديث عن الكتاب ونجاحه، سأله والده لماذا لا يكتب عنه هو أيضاً. فتح السؤال الباب أمام جلسات طويلة بين الأب والابن، كان خلالها الوالد يستعيد تفاصيل حياته، من الريف إلى الهجرة ثم سنوات العمل والاستقرار في هولندا.
كانت جلسات يغلب عليها الاستماع واسترجاع الذاكرة، في وقت لم يكن الأب يملك مذكرات أو وثائق مكتوبة توثق مساره. ولذلك أصبحت ذاكرته الشخصية المصدر الأساسي للحكايات التي نقلها ابنه إلى الكتاب.
توفي الأب في 6 دجنبر 2021، وبعد وفاته صدرت تلك الذاكرة في كتاب حمل عنوان «De reus uit de Rif»، أي «العملاق القادم من الريف»، مستحضراً صورة الأب وحياته ومساره بين موطنه الأصلي في جبال الريف وبلده الجديد هولندا.
وهكذا، تحول رجل لم يقرأ كتاباً في حياته إلى موضوع كتاب كتبه ابنه، كما تحولت تجربة أم فقدت قدرتها على الكلام إلى عمل أدبي فتح لمحمد بنزاكور باباً واسعاً داخل الأدب الهولندي.
وفي سنة 2026، عاد حضور الأم من جديد في مسار بنزاكور الأدبي من خلال كتابه «Het lied van Agilouz».
وتعود خلفية هذا العمل أيضاً إلى تجربة شخصية مرتبطة بوالدته، بعدما أدرك أن آثار الجلطة التي أصابتها لن تزول بشكل كامل. وفي خضم ذلك، وجد الكاتب نفسه مهتماً بالطيور، قبل أن يتطور هذا الاهتمام إلى شغف قاده لاحقاً إلى إندونيسيا، حيث انخرط في تجربة مرتبطة بالطيور المحبوسة في الأقفاص ومحاولة تحريرها.
وبين الأم التي فقدت الكلام، والأب الذي عاش تجربة الهجرة من الريف إلى هولندا دون أن يعرف القراءة والكتابة، والطيور التي تفقد حريتها داخل الأقفاص، تتقاطع أعمال بنزاكور حول سؤال الإنسان عندما تتقلص قدرته على التحكم في مصيره.
وإذا كان والدا محمد بنزاكور قد عاشا بعيداً عن عالم الكتب، فإن ابنهما جعل من الكتابة وسيلة لحفظ أصواتهما وذاكرتهما. فمن الناظور والريف بدأت الحكاية، وفي هولندا تحولت تلك الذاكرة العائلية إلى أدب وصل إلى جوائز ومؤسسات ثقافية وجمهور واسع.








